‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القصص. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 4 أبريل 2011

القصص 3 (الآية 4-6)

" إن فرعون علا في الأرض وجعل اهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم "
ولأنها سورة القصص .. فلا تقرأها كغيرها .. فهي تحمل جانباً تصويرياً لا يجلب آثاره دون عيشه متصوراً حاضراً .. بشخوصه وحركاته .. بالصوت واللون .. بسرعة الحركة حيناً وتباطؤها حيناً .. وايقاف المشهد حيناً ليدلف صوت الراوي المعلق علي الحدث حيناً ..


وكمشهد حركي سريع صامت تبدأ الحكاية ..
فتخيل تلك الشاشة السوداء في البداية وصوت في الخلفية ينبئك أنك ستسمع حكاية موسي وفرعون ..
ومع اسم فرعون تبيض الشاشة لـتأتي بمشهد صامت سريع علي الوضع .. فرعون عال في الأرض ..


وكعادة الفراعين .. علو منبثق من تحطيم القاعدة المحكومة .. تجزئتها .. تفتيتها .. تشييعها ..
الفرقة ذنب الجماهير .. وخطيئة الأتباع الدائمة ..
التشيع .. والتحزب فتنة الفتن .. معول الهدم الاعظم .. وسلاح النخر في عظام الأمم ..
مجرد النظر إلي الأحوال يصيبك بغصة خانقة .. هؤلاء جميعهم يتفقون علي مبادئ اساسية .. جميعهم مستضعفون ..
جميعهم مهزومون .. جميعهم طيبون يمثلون البياض ..
ورغم هذا .. وبكل سخرية الكون .. ينشغلون بمناوشات بعضهم ..
ينشغلون بمكانهم في الصف عن المعركة الدائرة ..
ينشغلون بلون الفرس .. وعدد أزرار الزي .. وجواهر الغمد .. وعدد احزمة الدرع .. 

ينشغلون بقضايا الأمس .. ومعارك الأمس .. وفتن الأمس ..
تمضي الأعمار .. وذاك لم يزل منشغلاً بلعن معاوية ... وذاك لم يزل منشغلاً بالدفاع عنه ..
وقد مضي معاوية .. والفريقان يلبسان الأبيض .. 
والأسود هناك علي الثغر .. باسم الثغر ..


وصوت النبي .. النبي .. ذاك القرار الأبيض في أذهان الجميع .. لم يزل في الأفق يدوي : لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ..
ونتن الدعوي للفرقة لم يزل ريحها محفوظاً للنفرة علي لسان المحذر الابيض : دعوها فإنها منتنة ..

وشحوب غصته وحسرته وألمه لم يجد واعياً في نداءه : إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلي يوم القيامة ..


ودعواه المردودة .. وهو النبي .. فقط لتنبهنا .. هنا لم تستجب دعوة النبي فاحذروا ..
هنا وكلتم إلي أعمالكم فاحذروا ..
سألت الله ألا يجعل بأسهم بينهم شديد .. فمنعنيها ..


ويحكم .. هي مهمة الفراعين الكبري .. فراعين الأمس واليوم .. 
علا في الأرض .. استغل علوه .. استغل اعلامه .. وقوي انتاجه .. سيطرته ..
ليفرق .. فيزداد علوا..
فالبتشويش .. والتفريق .. والتشييع .. فقط لن توجد منهم قوة تهز عروشه ..
فلا يقلق الفراعين سوي جموع موحدة الكلمة ..
ولا ينغص عيش السواد .. سوي ملاحظة جموع البياض لبياضهم المشترك ..
ولا ينغص نوم الشيطان .. سوي أن يجد المؤمنين ولو قاعدة واحدة ليتفقوا عليها ..



يستضعف طائفة منهم ... 
فإذا تفرق القطيع اصبح الصيد اسهل .. 
وإذا انقطع المدد .. وشحبت النصرة .. صارت الفرائس اشهي ..
تماما كحالنا ..
تداعي الأكلة علي قصعتها .. 
قصعة الاسلام الشهية ..
أو من قلة ..
لا والله بل كثير .. ولكنكم غثاء .. كغثاء السيل ..
أنتم جموع كثر .. أنتم الجمع الأكبر .. 
ولكنكم كزخات المطر .. كل قطرة تمضي وحيدة ..
وما اقصي ما يفعله المطر بالصخر سوي ان يبلله ..
رغم أن موج البحر من قبله فتت الصخور ..


يذبح ابناءهم .. 
هي اشارة لذاك الخطر المحدق بموسي الجنين ..
ففي صورة ذهنية فيها ذبح الرضع .. 
حين يولد موسي لن نحتاج أن نفكر في سبب خوف أمه .. 


ويستحيي نساءهم ..
هي صورة قرآنية جميلة .. عظيمة الأدب ..
فدخول الألف والسين والتاء علي الفعل يأتي بمعني الطلب ..
فيتستسقي .. اي يطلب السقاية ..
ويستحيي .. أي يطلب حياءهم ..
وهنا تأتي أفعال الفرعون بلا مدي محدود .. هو يطلب من النساء كل ما ارتبط بحياءهم ..
وهنا يوقن الذهن بمدي نتن ذاك الكرسي العالي ..


هو لم يفسر .. لم يقل كما يروون يغتصب .. او يتحرش .. او .. او  .. 
فقط يتسحيي .. مضاعفة الياء .. حملت وحدها كل ما يمكن للذهن ان يتخيل .. دون ان يغادر القرآن أدبه البليغ بحرف ..


" إنه كان من المفسدين "
كعادة القرآن .. وكعادة التصور الإسلامي .. لا يصفه وحده .. بكون فاسداً ..
لم يقل يوماً غنه كان فاسقاً .. أو ظالماً .. أو مفسداً ..
دائماً يضعه في حزبه .. الأسود ..
دائماً يري السواد والشر حزباً .. والبياض والخير حزباً ..
فنجد ذاك ملمحاً واضحاً من ملامح الوصف القرآني ..
من الصابرين .. من الصالحين .. من المتقين .. من الظالمين .. من الفاسقين ..


فالأمر لا يعدو معسكرين .. حزبين متنازعين ..
لا يوجد توجهات فردية .. 
ولكل وجهة هو موليها ... 
كل الناس يغدو ... 
وهناك غاديين اثنين كما جاء في الحديث ..
موبقها .. او معتقها ..


فليس المستقر سوي مستقرين اثنين بلا ثالث .. 
جنة .. ونار .. 
ففي أي المعسكرين انت ؟؟


وهنا تقف الصورة لوهلة ..
ليدخل صوت خلفي دافئ ..
صوت يوحي بأنه ليس فقط ما يحدث في الظاهر هو ما يحدث حقاً ..
وأن هناك عالماً ثرياً .. خفي .. هو عالم الغيب .. هو مطبخ القدر ..
هو ذاك القضاء الذي يحضر بصورة ما .. قد يخفت فهمها علي المتقصي ... 
ولكنه هناك ..
يد الله تعمل في الخفاء ..
وحكمة الله تقدر ما تشاء ..
نعم .. ذاك المشهد الحالي . وربما هو ما سيتكرر خلال عدة أعوام تالية ..
ولكن هناك في عوالم الإرادة الربانية النافذة .. واقدار الحق الحكيمة .. هناك مشيئة ما يتم تحققها ...
وقصة موسي الفرد .. ليست اقصوصة شخص .. إنما حكاية أمة باسرها ..
وتقديرات بسيطة في حياة ما علي عين الله .. تغير وجه التاريخ بأسره ..
"ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة "
هو الله يريد .. ولا حدود لإرادته ..
هو لايريد مجرد حصولهم علي العدالة .. أو المساواة .. أو الانتقام من الظالم ..
هو يريد رج ذاك المشهد كزجاجة من الماء والرمل ..
يريد قلب الموازين .. المستضعفون يصيرون ائمة .. قادة .. علاة .. 
ولا حدود للقدرة .. كما لا حدود للإرادة .. 
وذاك من قوانين المولي ..
هي ربتة حانية علي كل مستضعف .. وكل اقلية .. وكل مهضومي الحق في الكون ..
اذا كانت الارادة في صفهم .. 
فالامر مسألة وقت .. والتدبير موكول إلي الأقدار .. والإمامة واستاذية الكون في الأفق لكل موقن غير سطحي النظرة ..
ولا مجال لليأس بحجة قراءة الواقع .. 
يالعبثية التنهيدات امام الوضع الاسلامي ..
كل ما يجب التركيز عليه ان تكون الارادة في صفنا .. ان نستحق تلك الارادة بالامامة ..
وحينها ..
ونجعلهم الوارثين ..
ونمكن لهم في الأرض ..


ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ...

السبت، 2 أبريل 2011

القصص 2

"تلك آيات الكتاب المبين"
دائماً تلك المتتابعة القرآنية بعد الحروف المقطعة الغامضة ...
حديث عن كتاب الله .. لمحة عن الكتاب نفسه ..


وتلك من مقومات الأسلوب القرآني .. والتي لها في ذات الوقت لمحة خفية للمتدبر فيها ..
القرآن يصف القرآن في القرآن .. 
إن وصف القرآن بأنه كتاب مبين .. أو حكيم .. أو الحديث عن اعجاز القرآن نفسه إنما جاء بالقرآن نفسه ..؟؟!! 
وتلك طبيعة قدسية  .. الله وحده يمكنه أن يصف نفسه بما يستحق .. ويحمد نفسه بما يستحق ... ويثني علي ذاته بما هو أهله ..
ولما كان القرآن كلامه .. منه .. فلم يكن يسع الألسنة أن تحيطه وصفاً وثناءاً ..
لذا فوصفه منه .. وثناءه به فيه .. والتندر بإعجازه إنما جاء بين طياته هو .. إعجاز فوق إعجاز ..
وقوة استعلائية كبري .. تدهم النفوس .. لتسقط حصون الانكار .. 
وتدلف الكاريزما القرآنية .. والحضور الطاغي لكتاب لينافح عن نفسه بنفسه .. ليخاطب من النفس اوتاراً خفية .. ومستقبلات غيبية ..
مستقبلات تعلم .. أن ما يفعل ذاك إلا إله ,,
وما ينبثق مثل هذا الحديث إلا عن إله ..


وهي كذلك مقدمة .. واستهلال .. رائع ساطع .. استهلال يؤهل النفوس المستمعة أن انتبهي . فالقادم ليس قصصا عابثاً ..
ولا تندر حكائي عابر .. ولا مجرد اقصوصة الغاية منها المصمصمة .. أو العبرة القريبة ..
إنما هو منهج ضخم .. وقواعد تصور .. وقوانين كبري للاعتقاد .. واحدي مقومات البناء الدوواخل الانسانية ..
البناء بالقصة ..


واللمحة الخفية التي تلمع في: حديث القرآن عن نفسه ..
فالقرآن هو رسالة النبي .. وفي ذات الوقت هو معجزته ..
فهو المعجزة التي تحير العقول وتصيبها بالشلل لأنها تفوق معايير الإعتيادية .. فيؤمنون بالرسالة .. التي هي ذات المعجزة !!!
كما أن القرآن هو الهادي .. هو الهدي .. هو السبيل .. وفي ذات الوقت هو ذات الهداية .. وهو ذات الغاية ..
فهو الهداية والطريق إلي الحق .. وهو في ذات الوقت هو ذات الحق .. يهدي بنفسه إلي نفسه ...
نسق متكامل .. متناسق مع نفسه .. منسق لكل من دلف إليه  ..
فكيف يتسغرب أن يتحدث بنفسه عن نفسه ..
وأن تكون تلك سمة متتابعة الحروف المتقطعة ..



والمبين صفة ذات قطبين ..
فهي تخرج في الذهن صورتين ذهنيتين .. الأولي السطوع .. والوضوح .. فلا التفاف .. ولا غموض .. ولا حاجة للوساطة والترجمات والشروح والتفاسير مع القرآن .. فهو المبين ..
وصورة أخري كاسم فاعل .. بمعني الهداية والتبيين ..


وهي بهذا الصفة الأقرب لحالة حديث القرآن عن ذاته ..
وذاك من الإعجاز التكنيكي في القرآن ..

تري هل تلمح تلك الطبقات السردية .. layers 
فهي جملة واحدة .. بدأت بحروق مقطعة .. تلعب علي طبقتين .. طبقة اللفظ المجرد .. وطبقة النغم الداخلي المداعب لأشياء فينا لا نعيها ...
ثم حديث القرآن عن ذاته .. يلعب علي طبقتين .. طبقة بيان لفظي باقرار أن القرآن كتاب الله المبين ..
وطبقة داخلية يداعبها أن المتحدث هو القرآن نفسه .. وأن البيان جاء في ذات المبين .. تحيلنا إلي حقيقة هداية القرآن بنفسه إلي نفسه ..
وذاك يدلف بنا لي طبقة نفسية أعمق .. حين يشعرنا باكتفاء القرآن بنفسه ... واكتفاء منهجه حتي في وسائل هدايته نفسه بذات المنهج .. فالقرآن باعجازه يهدي إلي القرآن بمنهجه .. والكل قرآن ..
وذاك يجحملنا إلي طبقة أخري .. وهي طبقة الاكتمال .. فالقرآن اكمال للديانة السماوي بصورها القديمة .. والنسخة الأخيرة من مراحل تطور الديانة .. لا تطورها لأنها كانت تحتاج إلي تطور .. وإنما لحاجة البشر أنفسهم أن يتطوروا .. لذا فهي فقط كانت تنتظر تطورهم هم .. والقرآن هو البيان السماوي الأخير .. والصورة النهائية للتصور ..

وذاك التدبر نفسه يجعلنا نضع كلمة المبين في اطارها المعنوي بقطبيه ..
قطب الوضوح ..  وقطب الإبانة ..
قطب المنهج .. وقطب الهداية ...

طبقة .. نفهم فيها أن القرآن واضح ساطع جلي .. وطبقة نفهم فيها أن القرآن هو الهادي والدليل والنور الذي يستدل به في ظلمات التيه ..


إ، التدبر القرآني ليس إلي غوص في الحالة التي تغمرنا بها الآيات ..
تحليق معها حين ترفعنا بصورة ذهنية ما تدلف مع الكلمة والنغم والاتفاتة إلي طبقة .. وغوص معها حين تحملنا الجملة الكلية وتكنيك السرد .. والمتشابه والمختلف والإحالة والحمل المعنوي للفظ المستخدم إلي طبقات أخري ..
التدبر ليس سوي محاولة الإمساك بالصورة كاملة .. 
صورة السورة ...من العنوان .. للآيات .. للترتيب .. للعدد ..

ياله من اسم .. سورة .. كسور .. كبرواز يمسك الآيات والتراتبية والصور داخلها .. كعقد يلم حبات .. 
والتدبر هو الإمساك بحقيقة السورة .. صورتها الكاملة ..
أن تغلق السورة .. لست فقط متمعناً في آيات علي حدا .. أو معاني مختلفة .. لها أثر جد عظيم .. لا ننكره ..
وإنما أن تغلق السورة وقد تشربتها .. درت فيها كقصر واسع ارتسم في ذهنك خرائطه .. واحطت بسراديبه .. غصت في دهاليزه .. وركبت مصاعده .. 
وخرجت وقد خبرته ..


...............................
نتلو عليك من نبأ موسي وفرعون بالحق لقوم يؤمنون 
دخول فوري إلي القصة .. وذاك قلما يكون في القصة الطويلة في القرآن إلي في سورتين .. القصص ويوسف 
وتلك إحالة قرآنية ..
فذاك الأرتباط الذي ارتفع في الذهن بمجرد البداية السردية السريعة دون مقدمات بين يوسف والقصص .. هو ارتباط مقصود
ارتباط يحيلنا إلي مقارنة مطلوبة بين يوسف وموسي ..
مقارنات سيتجلي اثرها خلال الخوض في السورة هنا آية بعد آية .. ليرسم في النهاية صورتين كبيرتين ويضعهما معاً في مجموعة عصبية واحدة في المخ البشري ..  صورة البناء اليوسفي والبناء الموسوي 

وهنا نوع سردي من أنواع السرد القرآني .. تعريف بالشخصيات .. وخلفية تاريخية للقصة ..

موسي وفرعون .. ثم مصر قبل موسي 
وذاك غير تكنيك السرد المتبع في قصة يوسف حيث بدأ السرد بأن تفتح الستارة علي حلم .. غامض بشمس وقمر ونجوم يسجدون لطفل صغير .. يروي حلمه لأبيه .. رباه .. ما أجمل طعم القصة .. ببداية مشوقة كتلك .. لذا لا عجب أن نجد المستجدين علي الإسلام .. والأطفال يعشقون سورة يوسف دون أن يدون لماذا ..
لقد استخدم ربنا في القرآن تكنيكات سردية .. التدبر فيها وحد من وجهة نظر أدبية .. يصيبنا بالثمالة .. بالدوار .. بالتلذذ ..


وفي القصص .. وكأنه يقول كان ياماكان .. كان فيه واحد اسمه موسي .. وواحد اسمه فرعون ..
لم يقل أيهم من .. ومن البطل .. تماماً كتشويق حكايا الصغار ..


ثم خلفية تاريخية ... لو دلف إليه مباشرة لضاع التشويق ..
فلو قال مثلاً إن فرعون علا  واستعبد واستضعف .. لما انتظر السامع ظهور موسي ..
لكنه بتلك الآية .. آية نتلو عليك ..
خاض بعدها في طغيان فرعون والكل ينتظر .. من موسي .. ومتي يظهر .. 

وحين يظهر .. نعلم أن لهذا الطفل شأن ما في الحكاية .. ننتظر متي يكبر ..
ولولا أن قال نتلو من نبأ موسي وفرعون .. وأعلمنا من البداية أن موسي وفرعون هما الخصمين .. وأن بينهما معركة ما .. وأنهما طرفي القصة ..
لما شهقنا مع التابوت الخشبي الذي يفتح في بيت فرعون ليجد فيه موسي .. ولما تعلقت العيون بسكين فرعون علي رقبة موسي في قصره .. وتدخل العناية الربانية بالانقاذ .. كذبيح جديد .. وكعهد الأنبياء مع الفداء منذ اسماعيل ..
ولما ارتفعت علامات التعجب من ذاك الانسجام الأولي لموسي في بيت فرعون .. الانسجام الذي استوجب علي خلاف سورة يوسف تدخل اللفظ ا"استوي" علي الآية المتشابههة بينهما ..
ولما بلغ اشده اتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ... سورة يوسف

ولما بلغ اشده واستوي اتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين .. سورة القصص 


موسي يتربي في بيت العدو .. في بيت فرعون .. ومهما كان المصير المنتظر إن للتربية والبيئة المحيطة عواملها.. 
فكان لابد من الاستواء .. استواء يوحي بالتنظيف من أي ما قد يكون قد علق به من تلك البيئة .. ومن هذه التربية ..
أما يوسف فيتربي في بيت يعقوب .. نبي ابن نبي ابن نبي .. فأي شيء يمكن ان يعلق به ؟؟؟!!ـ

إن هناك طبقة تدبر خفية في سورة القصص .. وهي اسلوب الحكي ذاته .. التسارع الزمني حينا له مغزي خفي .. والتباطؤ في وصف بعض الأحداث حينا له معني مغمور .. لايجب أن نغفل تلك الطبقة في الحديث عن سورة القصص 

وإلا فكيف بنا هنا نفهم اسم السورة نفسها .. القصص 

إذا سمي الله السورة بالقصص .. فلتنخرس ألسنة التنظير الأدبي .. ولتصمت أقلام النظريات الروائية .. وليجلس الجميع كتلاميذ أمام السرد القصصي الرباني .. ولتنفتح اقسام الجامعات لتدريس الحكي القرآني .. والالتفات .. والعقدة .. والشخصيات .. والنمو .. والتشويق .. والغاية .. والرسالة .. فحينما يحكي الله .. إنما يحكي من يحكي بعده بما لديه من صفاقة 
افبعد حكايا المولي الحق .. هل من حكايا 

يتبع .....................

الأربعاء، 5 يناير 2011

سورة القصص .. مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم ..
بسم الله .. التي لا يجوز إلا أن يبدأ بها كل عمل ذي بال .. فكيف والبال يعصر تركيزه .. والبال يجمع فتاته ويلملم شتاته ليدلف إلي كتاب الله ..
كيف والبال يسعي للخلاص من الهم والقلق .. فلا يجد إلا في القرآن مهرباً وملاذاً ..
كيف والبال يتخير عند كل موقف وعند كل حالة من بستان القرآن زهرة يبدد عبيرها نتن المادية .. ويحيل اكسيرها عفن التصورات جناناً ..

لماذا القصص .. ولماذا الآن ..
نصيحة لكل حائر .. لكل من طوقته الهموم .. لكل من ضاعت بوصلته .. وتاه منه المقصد .. وهرب منه المآل .. لكل من تخلف وراء الركب .. وغاصت راحلته ونفد منه الزاد ..واصبح يتلفت حوله يتلمس ظلاً .. يتلمس كسرة خبز.. يتلمس نوراً يهتدي به في ظلمات التوهة ..
نصيحة لمن أراد أن يفقه الخطة الربانية العامة للحياة .. لمن أراد أن يقرأ في السيرة الذاتية للعظماء يتلمس عبرة وهدي ..
نصيحة أن يدلف إلي السير التي رسمها الله بيده .. سيرة كاملة من المولد للنجاح ..
هناك سيرتين في كتاب الله .. سيرة يوسف الصديق في سورة باسمه وللاسم مغزي .. وسيرة موسي الكليم في سورة القصص ووللاسم دلالة ..
هي لم تسم سورة موسي .. لأنه لم يكن من البدء نبياً .. ولم يكن لموسي اشارة نبوة واضحه تخبره بأن هناك ما ينتظره .. كما كان ليوسف .
بل لم يكن موسي قبل النبوة واضح العقيدة كيوسف الصديق ابن يعقوب النبي حفيد ابراهيم الخليل ..
وإذا أردت أن تتحقق من ذاك فلتقرأ الآية التي تحيل السورتين وتربطهما معاً .. والتي تصف النبيين ونشاتهم ولا تختلف إلا في كلمة ..
تلك الكلمة وحدها تبين لك لماذا اختلفت التسمية في الحالتين ..
في سورة يوسف "فلما بلغ أشده أتيناه حكما وعلماً "
أما في سورة القصص "فلما بلغ أشده واستوي أتيناه حكماً وعلماً "
نعم موسي كان يحتاج إلي الاستواء .. موسي كان يحتاج إلي تدخل الأقدار لإزالة أي شوائب خلفتها التربية أو المجتمع أو غياب الوضوح الكامل للتصور ..
موسي الوليد تربي في بيت فرعون المتأله .. ويوسف الوليد تربي في بيت يعقوب النبي ..
لم يكن ينتظر يوسف لـتأتيه أنوار النبوة سوي البلوغ .. لم يكن ينقصه سوي الزمن .,. فقط مزيداً من الوقت ..
أما موسي .. فقد كان ينتظره الكثير .. ينتظره تمحيص .. وتمحيص .. ليس مجرد الزمن ..
لذا يلقي يوسف في السجن فيوسف سيحتمل .. أما موسي فيتم تهريبه بالعناية القدسية ليلقي في رحاب الرجل الصالح الذي يقال هو شعيب نفسه ليتم تربوياته .. يلقي عشر سنوات في الصحراء ليستوي ..

لذا فقصة موسي أكثر عمومية .. أكثر بشرية .. أكثر قرباً من الاعتيادية البشرية .. لذا سميت علي عمومها القصص ..
وما يميز قصة موسي عن قصة يوسف أن قصة موسي قصة أمة بأكملها ... وقصة الصراع الكامل بين قوي الحق  والباطل .. قصة متعددة الأبعاد ..متراكبة العظة .. متداخلة العبر والأهداف .. لذا كان يلائمها أكثر عنوان القصص .. أكثر من أن تسمي سورة موسي ..
أما قصة يوسف فهي تغوص في العمق الداخلي تغوص في أبعاد ذاتية .. تضرب علي أوتار حميمة .. كالحسد .. والشهوة ..

سبحان من أبدع التصوير القصصي  ولم يحرم عباده من لذة القصة والرواية .. فأعطي لنا مثالا علي القصة العامة متعددة الأبعاد .. والقصة النفسية الشخصية العميقة المتمركزة حول الإنسان ..

لماذا القصص الآن ..
فقط لأني احتاج إليها الآن بالذات ..
فهي تحمل إجابات عدة .. حول تحقيق الذات .. حول التحديات .. حول الفرصة الثانية .. حول الخطيئة .. والخروج من ظلمة الخطأ إلي لامتناهية الصفاء .. حول الذات والتعامل مع اشكالية اللإفتتان بالنفس .. حول المرأة والزواج .. حول الصبر واليقين .. حول القدر والعناية .. حول الحكمة الخفية .. حول المعاناة ..
هي إجابات احتاج إليها الآن .. ويحتاج إليها كل من يقبل علي الحياة العملية أو الزواج .. بل كل من يطمح إلي تغيير حياته ..
إلي كل من يسعي إلي فرصة ثانية ..
إلي كل من لا يستطيع رؤية معني لحياته .. إلي كل من يشعر بالخواء .. والفراغ النفسي .. ويحتاج إلي أن يمسك بين يديه معني .. غاية ما ..  يحتاج أن يصل إلي حقيقة كينونته ..

إلي كل من أخذته الدنيا .. حتي استيقظ يوماً فلم يعرف من هو .. ولم يدرك ماهيته .. لم يلمس حقيقته .. إلي كل من شعر للحظات _وأحيانا لسنوات _ أنه قد تاه عن نفسه .. وفقد روحه ..  


طسم ..
الطواسين ثلاثة .. القصص ثالثتهما ..
طسم الشعراء .. وطس النمل .. وطسم القصص...

الطواسين .. ما يميزها أن لها علاقة وطيدة بالقصة القرآنية .. وتتميز بأسلوب السرد والحكاية ..
الطواسين ما يميزها .. أنها لا تمهد للقصة بل تدلف إلي القصة من أول السورة ..
طسم الشعراء .. تمر بأسلوب السرد السريع .. كنوع من الحكي الوثائقي الذي يتصفح التاريخ البشري .. وتاريخ الصراع النبوي الظلامي بصفحاته .. في أسلوب سريع يعتمد علي التماثلية .. ليحيك في الذهن قصة النبوات مترابطة .. فالرسالة واحدة والمصدر واحد .. بل والشر أيضا واحد والشيطان واحد وإن تعددت الصور والحجج الواهية لمقاومة النور ..
في مقاطع كثيرة .. تذكرك بأبيات الشعر وأشطاره .. لذا فلا عجب حين تسمي الشعراء .. وآخرها يقنن حدود الفن الإبداعي باسره .. بعدما خلب الأذهان بموسيقي رائعة .. اصبح قول الشعر جوارها ضرباً من النزق ...

ثم طس النمل .. ترحل بنا في مملكة عجائبية .. مملكة خارج القوانين الطبيعية .. مملكة لا منطقية .. غرائبية ... مملكة سليمان النبي . لذا فلا عجب أن يكون قول نملة هو اسم السورة بأكملها .. اشارة إلي ذلك العالم العجيب الذي تحويه تلك السورة ..
وسبحان الملك القدوس وتامل تلك الوحدة النفسية بين السور القرآنية .. فسورة النمل تلك بعجائبيتها .. تنتهي بذكر الدابة التي تكلم الناس في آخر الزمان .. والجبال التي تسير كالسحب .. وكأنك تري ذاك العالم العجيب .. اللامنطقي تحملك إليه السورة منذ عنوانها ومطلعها إلي قصصها (الهدهد الداعية .. مملكة وإمرأة .. عرش يسير عبر الزمن .. قصر بأرضية من عجائبية صنعها تسلم له ملكة ) ثم الدابة وحقيقة سير الجبال ..

ثم طسم القصص .. وهي القصة الطويلة .. متعددة المراحل .. تري فيها نمو الشخصية في أجمل صوره .. تراها حينا بطيئة الإيقاع للغاية .. حين يصف لك مسيرة موسي في السوق ثم رحلته خارج مصر .. ويتسارع الإيقاع بقوة في مدين .. ليتباطأ ثانية حين مشهد الوحي والنار واللقاء بطوي .. ويتسارع في مشاهد الصراع .. ليصل لي ذروة التسارع في المشهد الأخير مع فرعون .. ليخبرك أنه ليست النهاية هي المقصود والعبرة .. وإنما المسيرة .. الرحلة .. النمو .. الصيرورة ...
صفحات وصفحات وصفحات في مشاهد نمو موسي .. وبضع آيات للصراع الأخير ,.. وآيتين فقط للنهاية ..

حتي الإيقاع الزمني القرآني له غاية وهدف .. فهل من مدكر ..؟؟