بسم الله الرحمن الرحيم
هو إحرام .. لأن مع القرآن لا مقدمات ..
هل هي عودة .. أم هي بداية جديدة ..
ربما الاثنان معا .. الأمر أكثر أهمية وخطورة مما كنت أوليه .. ليس الحديث حول القرآن ومحاولات الإسقاط علي الحياة .. ومحورة التجربة الذاتية حول النص الإلهي المقدس مجرد هواية .. أو صدفة فراغ .. أو حالة كتابية ..
الأمر اكبر بكثير .. القرآن هو الكتالوج الأعظم للحياة .. "مانيوال" الكينونة البشرية وكيفية تعاملها مع الكون .. ومع الآخر .. ومع الذات ..
القرآن معادلة مثالية .. متناسقة .. ومنسقة لحاملها ..
لذا فالكتابة حوله لن تكون من الآن درباً من الرفاهية الوقتية والكتابية .. ولن تكون بعون الله مرتبطة بالحالة النفسية .. أو الطاقة اللفظية .. أو الخواطر التي تموج لحظيا ..
لابد أن يكون الأمر أكثر نظامية .. فالحياة قصيرة .. ومواقفها واختياراتها لامتناهية .. ولابد لك من مسابقاتها .. والاستعداد بثوابت كاملة وقواعد راسخة مستقاة من الكلام القدسي .. حيث لا مجال للخطأ .. لا مجال للتجربة والفشل .. لامجال إلا للاستقرار .. والتناسقية .. والهارمونيا ....... والسعادة ...
لماذا الآن .. ولماذا هنا ..
هي المرة الأولي التي اشعر فيها بالفخر .. فخر حقيقي .. فخر انتشلني من هوة اليأس المؤقت .. ذاك اليأس الذي يتملكنا أحيانا .. يسيطر علي أمخاخنا .. حينما نشعر بشعور وحيد .. لا يمكننا إلا أن نصفه بأنه شعور للأسفل .. للاسفل .. شعور يشبه الغرق .. الاختناق .. الدفن حياً ...
ذاك الفخر الذي بدد اليأس حين عدت لقراءة تلك المدونة ثانية ..
لم أصدق أنني أنا كاتبها .. قرأت وقرأت وقرأت .. وكانني أنا المخاطب لا الكاتب .. وكأنني اقرأها لأول مرة ..
وأعجبتني ..
وحينها أيقنت أن الأمر ليس نتاج لحظات كتابية .. إنما هي بركة هذا الكتاب .. الذي يشع بنوره علي كل من يحوم حوله ..
وأصابني شغف ... شغف جديد بالحوم حول حماه .. فهي حمي كريم كما وصفه رب السموات والأرضين .. والمتطفلين أعزاء في ظل الكريم .. والزائرين منعمين في ضيافة الكريم .. والمتحكين والمتمحكين مكرمين في ظل الكريم ..
لذا علمت أن تطفلي علي حمي القرآن .. وحوم حول حماه .. ذاك هو الشغف الذي ينبغي أن أغذيه وأغذيه .. فهو الشغف الأحق بالإتباع ..
شعرت أثناء الدوران في محيط الكتاب العزيز .. وكأنني لهذا فقط خلقت .. خلقت للطواف بحضرة الكلام القدسي .. خلقت لخدمته .. خلقت للمثول علي عتبات القرآن متحسسا فيض كرم .. وحفنة عطف .. ودفقة سر ..
هناك كان سلام الروح السرمدي .. هناك في محيطه متعة الصمت .. ولذة الصفاء الداخلي ..
هناك في محيطه هارمونيا نغمية صامته ..
ففي محيط القرآن وحده تنطبق ترددات الروح مع ترددات الكون انطباقاً تاماً .. وحينها فقط تسكن سكوناً عجائبياً خاصاً .. لا يمكن لمن ذاقه أن ينساه أو يسلي عنه .. ولا يمكن للذات الكون بأسره أن تعوضه دفقة منه .. ولا يمكن أن يسد فراغ فقدانه حاجيات الدنيا بأكملها ......
لذا فمنذ الآن حول القرآن سأطوف .. انهي الشوط الواحد في سنة أو اثنان أو خمسة لأبدأ طوافاً جديداً بعدها .. وهكذا يستمر تطواف بعد تطواف إلي أن ينقضي العمر ..
فحقيقة الحقائق أن العمر أقصر كثيراَ من مسافات الأسرار ....................