الاثنين، 25 أبريل 2011

البقرة 212 ((تاصيل تاريخي للتصور الإيماني 1))


"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .. وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم "
تلك الأية من الآيات التي طالما استتوقفتني واستوقفت غيري .. وهي من الآيات التي تحتاج مزيد تدبر وتدقيق نظر ... وتحتاج إلي نظرة شمولية ... إلي المقطوعة القرآنية بأكملها ..
فالله في صدد الحديث عن العلاقة بين المعسكر الاسلامي والمعسكر الظلامي .. وعن فقه الجهاد .. والتربية الربانية للصف الإسلامي المجاهد ..
لذا فهو يعقد هنا تأصيل فكري واضح وناصع وكامل .. تأصيل بمقدمة تاريخية تعود إلي البدايات القديمة قدم العالم .. تأصيل تاريخي لمن صنع بإرادته التاريخ .. واطلع بعلمه علي دقائق الأحداث فلا تأريخ كتأريخ المولي في القرآن ..
ولابد للتصور الواضح من قواعد ثابتة ليرتمي عليها ثقل العالم بتساؤلاته .. وتتفتت عليها محاولات الشياطين بشبهاتها .. ويحتكم إليها المؤمن في سجاله اليومي في مفاصلة واضحة مع تصورات الظلامية ..
وهنا احدي ابجديات التأصيل الرباني للتصور الإسلامي .. النظرة التاريخية لحقيقة الاختلاف وتطورها عبر الأزمان ..
البداية الأمة الواحدة .. الأسرة الواحدة ..  الناس كلهم أمة واحدة .. فبعث الله الرسل ..
المتدبر السطحي يظن الرسل سبب الخلاف الطارئ علي هذه الأمة الواحدة .. وتلك ايضاً شبهة الظلاميين ذوي الأفواه السكرية والأيادي النظيفة والأعين الرقراقة .. يقولون الدين سبب الخلاف .. والله سبب الدماء ..
تتبع الآية ستجد أن ارسال الرسل كان للحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .. اي انهم كانوا مختلفين قبل الرسل .. وأن اختلافهم دون معيار للاحتكام هو سبب ارسال الرسل وليس العكس ..!!
وهنا ينبغي أن نعمق النظرة ..
إن مفهوم الأمة الواحدة .. ليس معناه أنها لا تحوي اختلافاً .. بل بالعكس إن الله هنا يجعل الاختلاف سنة كونية ثابتة .. وحقيقة خلقية مقصودة .. "ولايزالون مختلفين إلا ما رحم ربك ولذلك خلقهم" .. هو خلقهم مختلفين .. وخلقهم ليكونوا مختلفين .. والإسلام هنا يسبق تصورات العالم بأسره في تقبل الخلاف .. واتاحة الحرية الكاملة للاختلاف ..
ولكنه يضع لهذا الاختلاف معياراً .. وميزاناً .. وحكماً .. حتي لا يصاب الانسان بلوثات الحيرة .. واضطرابات التوهة بين الأراء والتصورات ..
إنه يرسم للخلاف حدوداً .. ويضع للاتفاق قواعد .. ويصنع للتصورات أرضية مشتركة ..
وتلك حقيقة النبوة والرسالات ..
لذا يتحدث مولانا عن أزمنة ما كان الناس أمة واحدة .. فالنبوة سنة ربانية وكونية قديمة قدم الاختلاف ..  مرتكزاتها ومنطلقاتها ورسالتها ثابتة ثبات  تلك الحقيقة بثبات مصدرها النوراني .. لا علاقة لها بالتغيرات التي تطرأ علي الأمم المتغيرة .. وخصائص الشعوب والأقوام .. فقد كانت النبوة قبل أن تكون القوميات والأعراق واللغات والشعوب .. كانت النبوة مذ كان الناس أمة واحدة
وكأنها ثابتة في اللاوعي الجمعي .. متوارثة في جينات الشعوب علي اختلاف الوانها فالمعين واحد .. هو الأسرة الآدمية الحواءية القديمة .. والأمة الواحدة التي تشربت القواعد الأولي للتصور .. والمرتكزات الأولي للنبوة .. وحملتها في أرواحهها واصلابها .. ونمت داخل الانسان في منطقة ما مظلمة من نفسه غريزة اساسية كغريزة الطعام والشراب .. وهي غريزة البحث عن الله .. غريزة تحسس الحق .. وتلمس التصور الرباني القويم ..
غريزة التنقيب عن المعيار القديم الذي انزله الله ولم يزل الناس أمة واحدة ...
هناك في منطقة ما مظلمة من النفوس .. منطقة بلا لغة .. ولا لون .. ولا صورة .. ولا حدود بيئية .. نتوحد فيها جميعاً ..
تردنا إلي تلك الوحدة القديمة حول المعيار الرباني الأوحد .. حول هذا "الكتاب" القديم ألذي انزل بالحق ليحكم بين الناس ..
ثم تطور التنزيل ذاك ليلائم التطور الشعوبي .. والقومي ..
ولكن اصل الكتاب لم يتبدل ,, ومرتكزات التصور الذي يحمله لم يتغير ..

فــ"بعث " الله النبيين ..
وهنا يجب أن نفيض قليلاً في لفظة النبيين في القرآن ..
جمع نبي في القرآن يأتي علي وجهين .. الوجه الأول .. النبيين .. والوجه الآخر الأنبياء ..
الأول جمع مذكر سالم يضم ياء ونون .. .. والأخر جمع تكسير "جمع غير اعتيادي" ..
وذاك من آيات الاعجاز التكنيكي في القرآن ..
فحين تأتي اللفظة علي صيغة جمع المذكر السالم .. فلابد وان تلحظ أن المقطوعة القرآنية تتحدث عن وحدة الرسالة .. والأرضية المشتركة للرسالات الربانية بمختلف ممثليها ..
وحين تأتي علي صيغة جمع التكسير .. تجد المقطوعة القرآنية تتحدث عن التنوع .. والتعددية .. كأن يتحدث المولي عن تنوع الحجج والبراهين والآيات التي حملها الأنبياء .. ورغم هذا كان التكذيب .. وسنتعرض لكل لفظة في مكانها بإذن الله ..
فحين تأتي النبيين فالمقصود ارضية النبوة وسماتها المشتركة ووحدة الرسالة .. وحين تأتي الأنبياء فالمقصود التنوع واختلاف طرق الدعوة وخصائص الرسالة تبعا لاختلاف الأقوام

ولا حاجة لنا هنا إذن في بيان أكثر عن مناسبة جمع النبيين علي هذا النحو في هذا الموضع الذي يتحدث وبصراحة عن وحدة الرسالة منذ عهد الأمة الواحدة ..

والكتاب مفرد .. والنبيين جمع .. فإن اختلف الممثلون للحقيقة النورانية .. وتنوع الحاملون لتكليف توصيل التصور الرباني للعالم .. فالتصور واحد .. ومعيار الحكم لم يتغير ..
الكتاب واحد .. والأنبياء شتي ..
الكتاب واحد .. والرسالات شتي .. والرسل كثر .. والأقوام تتعاقب ..
ويبقي الكتاب واحد ..
وصورته الثابتة الأخيرة الواحدة الباقية المحفوظة من العبث والتشويه والتلاعب .. هي تلك التي بين ايادينا بين دفتي المصحف ..
متناسقة مع ذاتها في هارمونيا عجائبية توحي في نفسها أنه محفوظ من الإضافة والحذف ..
فلم يجد علي القرآن شيء .. ولم يسقط منه شيء..

...............................................................

نزل الكتاب إذن ليضع هذا الاختلاف الأصيل بين البشر في صورته الصحية .. ويضع له اصوله وقواعده ومعيار احتكامه .. ومناطه "الحق" الذي فيه .. والحق الذي انزل به .. وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ..
وكأنه استمد الحق من مولاه .. استمداداً اصبح وكأنه يحمل معين الحق الخاص به .. تماماً كبحيرة تروي قرية بأكملها وهي انما ترتوي من النهر مباشرة ..

"وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم"
وهنا حدث نوع جديد من الاختلاف العابث .. الاختلاف المذموم .. اختلاف مرضي يقوم علي فساد القلوب .. اختلاف مناطه البغي لا اصل التنوع الخلقي ..
اختلاف في المعيار الأبيض ذاته ..
اختلاف في حقيقة الحقائق .. واصل الاصول ..
اختلاف ربما يراه من تشرب من ذاك الحق فراغاً عجائبياً .. ونزقاً اسطوريا لا محل له من التفسير ..
نوع جديد من الخلاف طرأ ..
وهذا الخلاف بالذات لا مجال لوجوده .. وذاك الخلاف بالتحديد هو الذي يقوم حوله الصراع الجهادي ..
فالله في حديثه عن الخلاف الأول العام .. وكأنه أقره ووضع له فقط معيار الاحتكام والحدود الكبري .. وكفله بحرية فريدة وجديدة علي التاريخ الانساني ..
ولكن الخلاف الآخر .. الخلاف علي الكتاب ذاته .. وعلي معيار الحكم نفسه ... وعلي أصل الأصولية بالوهية وربوبية وحاكمية الله علي الكون بأسره .. ذاك خلاف لا يسكت عنه .. فهو ينخر بجسد الكون ... ويدمر اساساته .. ويحاول اعادة الانسان إلي ظلامية التوهية .. ولوثات الحيرة المدمرة للإعمار الكوني المطلوب منه بدءاً ..
لذافهو الخلاف الذي قام حوله التأصيل الجهادي .. والمعسكر الحركي الإسلامي الأبيض ..

وياله من تاصيل رباني للمشروع الكوني الإسلامي .. ولأيدولوجية الدولة المسلمة .. ولتصور الحركة الربانية الجهادية باكملها ..

فبعد هذا الخلاف كان ظهور المعسكرين .. المعسكر المهدي "فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه"
لاحظ الإحالة المقارنة هنا ..
ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .. الخلاف الأصيل المقرر الخلقي العادي ..
فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق  .. فالخلاف هنا خلاف في الأصول .. خلاف في الحق .. خلاف لا مبرر ولا يقرر ..
وفارق بين اختلاف بشري اصيل مناطه التنوع .. واختلاف في الأصول مناطه البغي وبطر الحق ..

وبالتالي أصبح علي هذه الفرقة المهدية إلي الصراط المستقيم الحفاظ علي هذا الحق .. والذود عنه .. وتبليغه إلي الحائرين .. وانقاذ الغافلين والمخدوعين بالظلامية والجاهلية ..
واصبح عليهم مواجهة "الباغين" في الحق .. وتحمل الأذي من معسكر الظلام الشيطاني المتكبر علي الحق ..
وذاك التحمل والصبر علي الاذي .. واحتمال الرباط علي ثغور التصور .. ومنافحة مناوشات الشبهات الظلامية .. واحياناً تحرشاته المباشرة بجسد المشروع الإسلامي ذاته ... ذاك الصبر هو الثمن الوحيد المقبول للجنة ..
"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتي يقول الرسول والذين آمنوا معه متي نصر الله .. ألا إن نصر الله قريب "

يتبع مباشرة 

الاثنين، 4 أبريل 2011

القصص 3 (الآية 4-6)

" إن فرعون علا في الأرض وجعل اهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم "
ولأنها سورة القصص .. فلا تقرأها كغيرها .. فهي تحمل جانباً تصويرياً لا يجلب آثاره دون عيشه متصوراً حاضراً .. بشخوصه وحركاته .. بالصوت واللون .. بسرعة الحركة حيناً وتباطؤها حيناً .. وايقاف المشهد حيناً ليدلف صوت الراوي المعلق علي الحدث حيناً ..


وكمشهد حركي سريع صامت تبدأ الحكاية ..
فتخيل تلك الشاشة السوداء في البداية وصوت في الخلفية ينبئك أنك ستسمع حكاية موسي وفرعون ..
ومع اسم فرعون تبيض الشاشة لـتأتي بمشهد صامت سريع علي الوضع .. فرعون عال في الأرض ..


وكعادة الفراعين .. علو منبثق من تحطيم القاعدة المحكومة .. تجزئتها .. تفتيتها .. تشييعها ..
الفرقة ذنب الجماهير .. وخطيئة الأتباع الدائمة ..
التشيع .. والتحزب فتنة الفتن .. معول الهدم الاعظم .. وسلاح النخر في عظام الأمم ..
مجرد النظر إلي الأحوال يصيبك بغصة خانقة .. هؤلاء جميعهم يتفقون علي مبادئ اساسية .. جميعهم مستضعفون ..
جميعهم مهزومون .. جميعهم طيبون يمثلون البياض ..
ورغم هذا .. وبكل سخرية الكون .. ينشغلون بمناوشات بعضهم ..
ينشغلون بمكانهم في الصف عن المعركة الدائرة ..
ينشغلون بلون الفرس .. وعدد أزرار الزي .. وجواهر الغمد .. وعدد احزمة الدرع .. 

ينشغلون بقضايا الأمس .. ومعارك الأمس .. وفتن الأمس ..
تمضي الأعمار .. وذاك لم يزل منشغلاً بلعن معاوية ... وذاك لم يزل منشغلاً بالدفاع عنه ..
وقد مضي معاوية .. والفريقان يلبسان الأبيض .. 
والأسود هناك علي الثغر .. باسم الثغر ..


وصوت النبي .. النبي .. ذاك القرار الأبيض في أذهان الجميع .. لم يزل في الأفق يدوي : لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ..
ونتن الدعوي للفرقة لم يزل ريحها محفوظاً للنفرة علي لسان المحذر الابيض : دعوها فإنها منتنة ..

وشحوب غصته وحسرته وألمه لم يجد واعياً في نداءه : إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلي يوم القيامة ..


ودعواه المردودة .. وهو النبي .. فقط لتنبهنا .. هنا لم تستجب دعوة النبي فاحذروا ..
هنا وكلتم إلي أعمالكم فاحذروا ..
سألت الله ألا يجعل بأسهم بينهم شديد .. فمنعنيها ..


ويحكم .. هي مهمة الفراعين الكبري .. فراعين الأمس واليوم .. 
علا في الأرض .. استغل علوه .. استغل اعلامه .. وقوي انتاجه .. سيطرته ..
ليفرق .. فيزداد علوا..
فالبتشويش .. والتفريق .. والتشييع .. فقط لن توجد منهم قوة تهز عروشه ..
فلا يقلق الفراعين سوي جموع موحدة الكلمة ..
ولا ينغص عيش السواد .. سوي ملاحظة جموع البياض لبياضهم المشترك ..
ولا ينغص نوم الشيطان .. سوي أن يجد المؤمنين ولو قاعدة واحدة ليتفقوا عليها ..



يستضعف طائفة منهم ... 
فإذا تفرق القطيع اصبح الصيد اسهل .. 
وإذا انقطع المدد .. وشحبت النصرة .. صارت الفرائس اشهي ..
تماما كحالنا ..
تداعي الأكلة علي قصعتها .. 
قصعة الاسلام الشهية ..
أو من قلة ..
لا والله بل كثير .. ولكنكم غثاء .. كغثاء السيل ..
أنتم جموع كثر .. أنتم الجمع الأكبر .. 
ولكنكم كزخات المطر .. كل قطرة تمضي وحيدة ..
وما اقصي ما يفعله المطر بالصخر سوي ان يبلله ..
رغم أن موج البحر من قبله فتت الصخور ..


يذبح ابناءهم .. 
هي اشارة لذاك الخطر المحدق بموسي الجنين ..
ففي صورة ذهنية فيها ذبح الرضع .. 
حين يولد موسي لن نحتاج أن نفكر في سبب خوف أمه .. 


ويستحيي نساءهم ..
هي صورة قرآنية جميلة .. عظيمة الأدب ..
فدخول الألف والسين والتاء علي الفعل يأتي بمعني الطلب ..
فيتستسقي .. اي يطلب السقاية ..
ويستحيي .. أي يطلب حياءهم ..
وهنا تأتي أفعال الفرعون بلا مدي محدود .. هو يطلب من النساء كل ما ارتبط بحياءهم ..
وهنا يوقن الذهن بمدي نتن ذاك الكرسي العالي ..


هو لم يفسر .. لم يقل كما يروون يغتصب .. او يتحرش .. او .. او  .. 
فقط يتسحيي .. مضاعفة الياء .. حملت وحدها كل ما يمكن للذهن ان يتخيل .. دون ان يغادر القرآن أدبه البليغ بحرف ..


" إنه كان من المفسدين "
كعادة القرآن .. وكعادة التصور الإسلامي .. لا يصفه وحده .. بكون فاسداً ..
لم يقل يوماً غنه كان فاسقاً .. أو ظالماً .. أو مفسداً ..
دائماً يضعه في حزبه .. الأسود ..
دائماً يري السواد والشر حزباً .. والبياض والخير حزباً ..
فنجد ذاك ملمحاً واضحاً من ملامح الوصف القرآني ..
من الصابرين .. من الصالحين .. من المتقين .. من الظالمين .. من الفاسقين ..


فالأمر لا يعدو معسكرين .. حزبين متنازعين ..
لا يوجد توجهات فردية .. 
ولكل وجهة هو موليها ... 
كل الناس يغدو ... 
وهناك غاديين اثنين كما جاء في الحديث ..
موبقها .. او معتقها ..


فليس المستقر سوي مستقرين اثنين بلا ثالث .. 
جنة .. ونار .. 
ففي أي المعسكرين انت ؟؟


وهنا تقف الصورة لوهلة ..
ليدخل صوت خلفي دافئ ..
صوت يوحي بأنه ليس فقط ما يحدث في الظاهر هو ما يحدث حقاً ..
وأن هناك عالماً ثرياً .. خفي .. هو عالم الغيب .. هو مطبخ القدر ..
هو ذاك القضاء الذي يحضر بصورة ما .. قد يخفت فهمها علي المتقصي ... 
ولكنه هناك ..
يد الله تعمل في الخفاء ..
وحكمة الله تقدر ما تشاء ..
نعم .. ذاك المشهد الحالي . وربما هو ما سيتكرر خلال عدة أعوام تالية ..
ولكن هناك في عوالم الإرادة الربانية النافذة .. واقدار الحق الحكيمة .. هناك مشيئة ما يتم تحققها ...
وقصة موسي الفرد .. ليست اقصوصة شخص .. إنما حكاية أمة باسرها ..
وتقديرات بسيطة في حياة ما علي عين الله .. تغير وجه التاريخ بأسره ..
"ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة "
هو الله يريد .. ولا حدود لإرادته ..
هو لايريد مجرد حصولهم علي العدالة .. أو المساواة .. أو الانتقام من الظالم ..
هو يريد رج ذاك المشهد كزجاجة من الماء والرمل ..
يريد قلب الموازين .. المستضعفون يصيرون ائمة .. قادة .. علاة .. 
ولا حدود للقدرة .. كما لا حدود للإرادة .. 
وذاك من قوانين المولي ..
هي ربتة حانية علي كل مستضعف .. وكل اقلية .. وكل مهضومي الحق في الكون ..
اذا كانت الارادة في صفهم .. 
فالامر مسألة وقت .. والتدبير موكول إلي الأقدار .. والإمامة واستاذية الكون في الأفق لكل موقن غير سطحي النظرة ..
ولا مجال لليأس بحجة قراءة الواقع .. 
يالعبثية التنهيدات امام الوضع الاسلامي ..
كل ما يجب التركيز عليه ان تكون الارادة في صفنا .. ان نستحق تلك الارادة بالامامة ..
وحينها ..
ونجعلهم الوارثين ..
ونمكن لهم في الأرض ..


ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ...

السبت، 2 أبريل 2011

القصص 2

"تلك آيات الكتاب المبين"
دائماً تلك المتتابعة القرآنية بعد الحروف المقطعة الغامضة ...
حديث عن كتاب الله .. لمحة عن الكتاب نفسه ..


وتلك من مقومات الأسلوب القرآني .. والتي لها في ذات الوقت لمحة خفية للمتدبر فيها ..
القرآن يصف القرآن في القرآن .. 
إن وصف القرآن بأنه كتاب مبين .. أو حكيم .. أو الحديث عن اعجاز القرآن نفسه إنما جاء بالقرآن نفسه ..؟؟!! 
وتلك طبيعة قدسية  .. الله وحده يمكنه أن يصف نفسه بما يستحق .. ويحمد نفسه بما يستحق ... ويثني علي ذاته بما هو أهله ..
ولما كان القرآن كلامه .. منه .. فلم يكن يسع الألسنة أن تحيطه وصفاً وثناءاً ..
لذا فوصفه منه .. وثناءه به فيه .. والتندر بإعجازه إنما جاء بين طياته هو .. إعجاز فوق إعجاز ..
وقوة استعلائية كبري .. تدهم النفوس .. لتسقط حصون الانكار .. 
وتدلف الكاريزما القرآنية .. والحضور الطاغي لكتاب لينافح عن نفسه بنفسه .. ليخاطب من النفس اوتاراً خفية .. ومستقبلات غيبية ..
مستقبلات تعلم .. أن ما يفعل ذاك إلا إله ,,
وما ينبثق مثل هذا الحديث إلا عن إله ..


وهي كذلك مقدمة .. واستهلال .. رائع ساطع .. استهلال يؤهل النفوس المستمعة أن انتبهي . فالقادم ليس قصصا عابثاً ..
ولا تندر حكائي عابر .. ولا مجرد اقصوصة الغاية منها المصمصمة .. أو العبرة القريبة ..
إنما هو منهج ضخم .. وقواعد تصور .. وقوانين كبري للاعتقاد .. واحدي مقومات البناء الدوواخل الانسانية ..
البناء بالقصة ..


واللمحة الخفية التي تلمع في: حديث القرآن عن نفسه ..
فالقرآن هو رسالة النبي .. وفي ذات الوقت هو معجزته ..
فهو المعجزة التي تحير العقول وتصيبها بالشلل لأنها تفوق معايير الإعتيادية .. فيؤمنون بالرسالة .. التي هي ذات المعجزة !!!
كما أن القرآن هو الهادي .. هو الهدي .. هو السبيل .. وفي ذات الوقت هو ذات الهداية .. وهو ذات الغاية ..
فهو الهداية والطريق إلي الحق .. وهو في ذات الوقت هو ذات الحق .. يهدي بنفسه إلي نفسه ...
نسق متكامل .. متناسق مع نفسه .. منسق لكل من دلف إليه  ..
فكيف يتسغرب أن يتحدث بنفسه عن نفسه ..
وأن تكون تلك سمة متتابعة الحروف المتقطعة ..



والمبين صفة ذات قطبين ..
فهي تخرج في الذهن صورتين ذهنيتين .. الأولي السطوع .. والوضوح .. فلا التفاف .. ولا غموض .. ولا حاجة للوساطة والترجمات والشروح والتفاسير مع القرآن .. فهو المبين ..
وصورة أخري كاسم فاعل .. بمعني الهداية والتبيين ..


وهي بهذا الصفة الأقرب لحالة حديث القرآن عن ذاته ..
وذاك من الإعجاز التكنيكي في القرآن ..

تري هل تلمح تلك الطبقات السردية .. layers 
فهي جملة واحدة .. بدأت بحروق مقطعة .. تلعب علي طبقتين .. طبقة اللفظ المجرد .. وطبقة النغم الداخلي المداعب لأشياء فينا لا نعيها ...
ثم حديث القرآن عن ذاته .. يلعب علي طبقتين .. طبقة بيان لفظي باقرار أن القرآن كتاب الله المبين ..
وطبقة داخلية يداعبها أن المتحدث هو القرآن نفسه .. وأن البيان جاء في ذات المبين .. تحيلنا إلي حقيقة هداية القرآن بنفسه إلي نفسه ..
وذاك يدلف بنا لي طبقة نفسية أعمق .. حين يشعرنا باكتفاء القرآن بنفسه ... واكتفاء منهجه حتي في وسائل هدايته نفسه بذات المنهج .. فالقرآن باعجازه يهدي إلي القرآن بمنهجه .. والكل قرآن ..
وذاك يجحملنا إلي طبقة أخري .. وهي طبقة الاكتمال .. فالقرآن اكمال للديانة السماوي بصورها القديمة .. والنسخة الأخيرة من مراحل تطور الديانة .. لا تطورها لأنها كانت تحتاج إلي تطور .. وإنما لحاجة البشر أنفسهم أن يتطوروا .. لذا فهي فقط كانت تنتظر تطورهم هم .. والقرآن هو البيان السماوي الأخير .. والصورة النهائية للتصور ..

وذاك التدبر نفسه يجعلنا نضع كلمة المبين في اطارها المعنوي بقطبيه ..
قطب الوضوح ..  وقطب الإبانة ..
قطب المنهج .. وقطب الهداية ...

طبقة .. نفهم فيها أن القرآن واضح ساطع جلي .. وطبقة نفهم فيها أن القرآن هو الهادي والدليل والنور الذي يستدل به في ظلمات التيه ..


إ، التدبر القرآني ليس إلي غوص في الحالة التي تغمرنا بها الآيات ..
تحليق معها حين ترفعنا بصورة ذهنية ما تدلف مع الكلمة والنغم والاتفاتة إلي طبقة .. وغوص معها حين تحملنا الجملة الكلية وتكنيك السرد .. والمتشابه والمختلف والإحالة والحمل المعنوي للفظ المستخدم إلي طبقات أخري ..
التدبر ليس سوي محاولة الإمساك بالصورة كاملة .. 
صورة السورة ...من العنوان .. للآيات .. للترتيب .. للعدد ..

ياله من اسم .. سورة .. كسور .. كبرواز يمسك الآيات والتراتبية والصور داخلها .. كعقد يلم حبات .. 
والتدبر هو الإمساك بحقيقة السورة .. صورتها الكاملة ..
أن تغلق السورة .. لست فقط متمعناً في آيات علي حدا .. أو معاني مختلفة .. لها أثر جد عظيم .. لا ننكره ..
وإنما أن تغلق السورة وقد تشربتها .. درت فيها كقصر واسع ارتسم في ذهنك خرائطه .. واحطت بسراديبه .. غصت في دهاليزه .. وركبت مصاعده .. 
وخرجت وقد خبرته ..


...............................
نتلو عليك من نبأ موسي وفرعون بالحق لقوم يؤمنون 
دخول فوري إلي القصة .. وذاك قلما يكون في القصة الطويلة في القرآن إلي في سورتين .. القصص ويوسف 
وتلك إحالة قرآنية ..
فذاك الأرتباط الذي ارتفع في الذهن بمجرد البداية السردية السريعة دون مقدمات بين يوسف والقصص .. هو ارتباط مقصود
ارتباط يحيلنا إلي مقارنة مطلوبة بين يوسف وموسي ..
مقارنات سيتجلي اثرها خلال الخوض في السورة هنا آية بعد آية .. ليرسم في النهاية صورتين كبيرتين ويضعهما معاً في مجموعة عصبية واحدة في المخ البشري ..  صورة البناء اليوسفي والبناء الموسوي 

وهنا نوع سردي من أنواع السرد القرآني .. تعريف بالشخصيات .. وخلفية تاريخية للقصة ..

موسي وفرعون .. ثم مصر قبل موسي 
وذاك غير تكنيك السرد المتبع في قصة يوسف حيث بدأ السرد بأن تفتح الستارة علي حلم .. غامض بشمس وقمر ونجوم يسجدون لطفل صغير .. يروي حلمه لأبيه .. رباه .. ما أجمل طعم القصة .. ببداية مشوقة كتلك .. لذا لا عجب أن نجد المستجدين علي الإسلام .. والأطفال يعشقون سورة يوسف دون أن يدون لماذا ..
لقد استخدم ربنا في القرآن تكنيكات سردية .. التدبر فيها وحد من وجهة نظر أدبية .. يصيبنا بالثمالة .. بالدوار .. بالتلذذ ..


وفي القصص .. وكأنه يقول كان ياماكان .. كان فيه واحد اسمه موسي .. وواحد اسمه فرعون ..
لم يقل أيهم من .. ومن البطل .. تماماً كتشويق حكايا الصغار ..


ثم خلفية تاريخية ... لو دلف إليه مباشرة لضاع التشويق ..
فلو قال مثلاً إن فرعون علا  واستعبد واستضعف .. لما انتظر السامع ظهور موسي ..
لكنه بتلك الآية .. آية نتلو عليك ..
خاض بعدها في طغيان فرعون والكل ينتظر .. من موسي .. ومتي يظهر .. 

وحين يظهر .. نعلم أن لهذا الطفل شأن ما في الحكاية .. ننتظر متي يكبر ..
ولولا أن قال نتلو من نبأ موسي وفرعون .. وأعلمنا من البداية أن موسي وفرعون هما الخصمين .. وأن بينهما معركة ما .. وأنهما طرفي القصة ..
لما شهقنا مع التابوت الخشبي الذي يفتح في بيت فرعون ليجد فيه موسي .. ولما تعلقت العيون بسكين فرعون علي رقبة موسي في قصره .. وتدخل العناية الربانية بالانقاذ .. كذبيح جديد .. وكعهد الأنبياء مع الفداء منذ اسماعيل ..
ولما ارتفعت علامات التعجب من ذاك الانسجام الأولي لموسي في بيت فرعون .. الانسجام الذي استوجب علي خلاف سورة يوسف تدخل اللفظ ا"استوي" علي الآية المتشابههة بينهما ..
ولما بلغ اشده اتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ... سورة يوسف

ولما بلغ اشده واستوي اتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين .. سورة القصص 


موسي يتربي في بيت العدو .. في بيت فرعون .. ومهما كان المصير المنتظر إن للتربية والبيئة المحيطة عواملها.. 
فكان لابد من الاستواء .. استواء يوحي بالتنظيف من أي ما قد يكون قد علق به من تلك البيئة .. ومن هذه التربية ..
أما يوسف فيتربي في بيت يعقوب .. نبي ابن نبي ابن نبي .. فأي شيء يمكن ان يعلق به ؟؟؟!!ـ

إن هناك طبقة تدبر خفية في سورة القصص .. وهي اسلوب الحكي ذاته .. التسارع الزمني حينا له مغزي خفي .. والتباطؤ في وصف بعض الأحداث حينا له معني مغمور .. لايجب أن نغفل تلك الطبقة في الحديث عن سورة القصص 

وإلا فكيف بنا هنا نفهم اسم السورة نفسها .. القصص 

إذا سمي الله السورة بالقصص .. فلتنخرس ألسنة التنظير الأدبي .. ولتصمت أقلام النظريات الروائية .. وليجلس الجميع كتلاميذ أمام السرد القصصي الرباني .. ولتنفتح اقسام الجامعات لتدريس الحكي القرآني .. والالتفات .. والعقدة .. والشخصيات .. والنمو .. والتشويق .. والغاية .. والرسالة .. فحينما يحكي الله .. إنما يحكي من يحكي بعده بما لديه من صفاقة 
افبعد حكايا المولي الحق .. هل من حكايا 

يتبع .....................

الأربعاء، 5 يناير 2011

سورة القصص .. مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم ..
بسم الله .. التي لا يجوز إلا أن يبدأ بها كل عمل ذي بال .. فكيف والبال يعصر تركيزه .. والبال يجمع فتاته ويلملم شتاته ليدلف إلي كتاب الله ..
كيف والبال يسعي للخلاص من الهم والقلق .. فلا يجد إلا في القرآن مهرباً وملاذاً ..
كيف والبال يتخير عند كل موقف وعند كل حالة من بستان القرآن زهرة يبدد عبيرها نتن المادية .. ويحيل اكسيرها عفن التصورات جناناً ..

لماذا القصص .. ولماذا الآن ..
نصيحة لكل حائر .. لكل من طوقته الهموم .. لكل من ضاعت بوصلته .. وتاه منه المقصد .. وهرب منه المآل .. لكل من تخلف وراء الركب .. وغاصت راحلته ونفد منه الزاد ..واصبح يتلفت حوله يتلمس ظلاً .. يتلمس كسرة خبز.. يتلمس نوراً يهتدي به في ظلمات التوهة ..
نصيحة لمن أراد أن يفقه الخطة الربانية العامة للحياة .. لمن أراد أن يقرأ في السيرة الذاتية للعظماء يتلمس عبرة وهدي ..
نصيحة أن يدلف إلي السير التي رسمها الله بيده .. سيرة كاملة من المولد للنجاح ..
هناك سيرتين في كتاب الله .. سيرة يوسف الصديق في سورة باسمه وللاسم مغزي .. وسيرة موسي الكليم في سورة القصص ووللاسم دلالة ..
هي لم تسم سورة موسي .. لأنه لم يكن من البدء نبياً .. ولم يكن لموسي اشارة نبوة واضحه تخبره بأن هناك ما ينتظره .. كما كان ليوسف .
بل لم يكن موسي قبل النبوة واضح العقيدة كيوسف الصديق ابن يعقوب النبي حفيد ابراهيم الخليل ..
وإذا أردت أن تتحقق من ذاك فلتقرأ الآية التي تحيل السورتين وتربطهما معاً .. والتي تصف النبيين ونشاتهم ولا تختلف إلا في كلمة ..
تلك الكلمة وحدها تبين لك لماذا اختلفت التسمية في الحالتين ..
في سورة يوسف "فلما بلغ أشده أتيناه حكما وعلماً "
أما في سورة القصص "فلما بلغ أشده واستوي أتيناه حكماً وعلماً "
نعم موسي كان يحتاج إلي الاستواء .. موسي كان يحتاج إلي تدخل الأقدار لإزالة أي شوائب خلفتها التربية أو المجتمع أو غياب الوضوح الكامل للتصور ..
موسي الوليد تربي في بيت فرعون المتأله .. ويوسف الوليد تربي في بيت يعقوب النبي ..
لم يكن ينتظر يوسف لـتأتيه أنوار النبوة سوي البلوغ .. لم يكن ينقصه سوي الزمن .,. فقط مزيداً من الوقت ..
أما موسي .. فقد كان ينتظره الكثير .. ينتظره تمحيص .. وتمحيص .. ليس مجرد الزمن ..
لذا يلقي يوسف في السجن فيوسف سيحتمل .. أما موسي فيتم تهريبه بالعناية القدسية ليلقي في رحاب الرجل الصالح الذي يقال هو شعيب نفسه ليتم تربوياته .. يلقي عشر سنوات في الصحراء ليستوي ..

لذا فقصة موسي أكثر عمومية .. أكثر بشرية .. أكثر قرباً من الاعتيادية البشرية .. لذا سميت علي عمومها القصص ..
وما يميز قصة موسي عن قصة يوسف أن قصة موسي قصة أمة بأكملها ... وقصة الصراع الكامل بين قوي الحق  والباطل .. قصة متعددة الأبعاد ..متراكبة العظة .. متداخلة العبر والأهداف .. لذا كان يلائمها أكثر عنوان القصص .. أكثر من أن تسمي سورة موسي ..
أما قصة يوسف فهي تغوص في العمق الداخلي تغوص في أبعاد ذاتية .. تضرب علي أوتار حميمة .. كالحسد .. والشهوة ..

سبحان من أبدع التصوير القصصي  ولم يحرم عباده من لذة القصة والرواية .. فأعطي لنا مثالا علي القصة العامة متعددة الأبعاد .. والقصة النفسية الشخصية العميقة المتمركزة حول الإنسان ..

لماذا القصص الآن ..
فقط لأني احتاج إليها الآن بالذات ..
فهي تحمل إجابات عدة .. حول تحقيق الذات .. حول التحديات .. حول الفرصة الثانية .. حول الخطيئة .. والخروج من ظلمة الخطأ إلي لامتناهية الصفاء .. حول الذات والتعامل مع اشكالية اللإفتتان بالنفس .. حول المرأة والزواج .. حول الصبر واليقين .. حول القدر والعناية .. حول الحكمة الخفية .. حول المعاناة ..
هي إجابات احتاج إليها الآن .. ويحتاج إليها كل من يقبل علي الحياة العملية أو الزواج .. بل كل من يطمح إلي تغيير حياته ..
إلي كل من يسعي إلي فرصة ثانية ..
إلي كل من لا يستطيع رؤية معني لحياته .. إلي كل من يشعر بالخواء .. والفراغ النفسي .. ويحتاج إلي أن يمسك بين يديه معني .. غاية ما ..  يحتاج أن يصل إلي حقيقة كينونته ..

إلي كل من أخذته الدنيا .. حتي استيقظ يوماً فلم يعرف من هو .. ولم يدرك ماهيته .. لم يلمس حقيقته .. إلي كل من شعر للحظات _وأحيانا لسنوات _ أنه قد تاه عن نفسه .. وفقد روحه ..  


طسم ..
الطواسين ثلاثة .. القصص ثالثتهما ..
طسم الشعراء .. وطس النمل .. وطسم القصص...

الطواسين .. ما يميزها أن لها علاقة وطيدة بالقصة القرآنية .. وتتميز بأسلوب السرد والحكاية ..
الطواسين ما يميزها .. أنها لا تمهد للقصة بل تدلف إلي القصة من أول السورة ..
طسم الشعراء .. تمر بأسلوب السرد السريع .. كنوع من الحكي الوثائقي الذي يتصفح التاريخ البشري .. وتاريخ الصراع النبوي الظلامي بصفحاته .. في أسلوب سريع يعتمد علي التماثلية .. ليحيك في الذهن قصة النبوات مترابطة .. فالرسالة واحدة والمصدر واحد .. بل والشر أيضا واحد والشيطان واحد وإن تعددت الصور والحجج الواهية لمقاومة النور ..
في مقاطع كثيرة .. تذكرك بأبيات الشعر وأشطاره .. لذا فلا عجب حين تسمي الشعراء .. وآخرها يقنن حدود الفن الإبداعي باسره .. بعدما خلب الأذهان بموسيقي رائعة .. اصبح قول الشعر جوارها ضرباً من النزق ...

ثم طس النمل .. ترحل بنا في مملكة عجائبية .. مملكة خارج القوانين الطبيعية .. مملكة لا منطقية .. غرائبية ... مملكة سليمان النبي . لذا فلا عجب أن يكون قول نملة هو اسم السورة بأكملها .. اشارة إلي ذلك العالم العجيب الذي تحويه تلك السورة ..
وسبحان الملك القدوس وتامل تلك الوحدة النفسية بين السور القرآنية .. فسورة النمل تلك بعجائبيتها .. تنتهي بذكر الدابة التي تكلم الناس في آخر الزمان .. والجبال التي تسير كالسحب .. وكأنك تري ذاك العالم العجيب .. اللامنطقي تحملك إليه السورة منذ عنوانها ومطلعها إلي قصصها (الهدهد الداعية .. مملكة وإمرأة .. عرش يسير عبر الزمن .. قصر بأرضية من عجائبية صنعها تسلم له ملكة ) ثم الدابة وحقيقة سير الجبال ..

ثم طسم القصص .. وهي القصة الطويلة .. متعددة المراحل .. تري فيها نمو الشخصية في أجمل صوره .. تراها حينا بطيئة الإيقاع للغاية .. حين يصف لك مسيرة موسي في السوق ثم رحلته خارج مصر .. ويتسارع الإيقاع بقوة في مدين .. ليتباطأ ثانية حين مشهد الوحي والنار واللقاء بطوي .. ويتسارع في مشاهد الصراع .. ليصل لي ذروة التسارع في المشهد الأخير مع فرعون .. ليخبرك أنه ليست النهاية هي المقصود والعبرة .. وإنما المسيرة .. الرحلة .. النمو .. الصيرورة ...
صفحات وصفحات وصفحات في مشاهد نمو موسي .. وبضع آيات للصراع الأخير ,.. وآيتين فقط للنهاية ..

حتي الإيقاع الزمني القرآني له غاية وهدف .. فهل من مدكر ..؟؟

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

الفاتحة 2


بسم الله الرحمن الرحيم

لازلنا في فلك الفاتحة ندور .. ولاعجب إن ظللنا في دوران أزلي .. فإن كان ما وراء الباب لا نهائي الاسرار .. فلابد أن يتناسب الباب مع ما يخفيه  ..
ولاعجب أن تكون الوطأة المعنوية للمفتاح ملائمة لوطأة النص الآتي ..

المثني الثاني : الحمد لله رب العالمين
مثنويته :
الجناح الأول: الحمد هي حالة البدء وهي في ذات الوقت محطة الوصول .. الجناح الثاني: ليس الحمد إلا انبثاق تحقق العبد من عبوديته .. وإعلانه ويقينه ربوبية المولي ..

الحمد ..
لولا نزول تلك النصوص الربانية لما كان لتلك الكلمة توصيف لغوي واضح .. فالحمد كلمة نشئت مع النبوة ..
كلمة تضم الشكر وتتعداه .. وتضم الامتنان وتتعداه .. وتضم الرضا وتتعداه ..
لذا فلم يصلح إلا أن تكون لفظة سماوية لتلائم ذاك الحمل المعنوي الثقيل ..
الامتنان حالة تقدير النعمة من المنعم .. والشكر حالة إعلان هذا التقدير ..
والرضا حالة تسليم وسكون للمقدور والمحيط بلا تشنج أو تافف وهي تناسب أكثر البلاء ..
والحمد مناط ذلك كله .. يحوي ذاك جميعه ويتجاوزه ..  
فلا امتنان يناسب البلاء .. ومجرد الرضا يبخس العطاء ..
ولكن الحمد وحده يوافق العطاء والمنع .. والبسط والقبض .. الرخاء والشدة ..

الحمد هو حالة العبد في ثناءه علي عطية المولي خيرها وشرها ..  "أو بمعني أدق ظاهرية شرها" فلا شر منه يخرج .. إنما هو خير مقنع ..
ولو ترك المولي لكل منا ثناءه .. لاختلفت الموازين .. فذاك اديب يبالغ في الثناء ويبدع قصائد المديح .. وذاك فقير يتلعثم ولا يعلم كيفية التعبير ..
والثناء مدخل المداخل للمحبوب .. لذا فيختصر لنا المولي الطريق .. ويوحد الألسنة في صيغة قدسية لا مثيل لها .. فينزل من علياءه صيغة الحمد .. الحمد لله رب العالمين .. وصيغة الثناء .. سبحان ..

ولا عجب كذلك أن يكون اشتقاق اسم نبي تلك الرسالة من ذات المصدر .. محمد .. وكان ذاك اسماً غريباً علي العرب ..
فالحمد بدء القرآن .. والحمد مادة اسم النبي .. محمد .. وأحمد .. صلي الله عليه وسلم ..

الحمد هي كلمة البدء .. وحالة البدء .. وهي مختصر السعادة والحل الجذري لمشكلة الواقع البشري بأكمله ..
الحمد هو سر الأسرار .. الحلقة المفقودة لشفرة سكون الأرواح المضطربة ..

الحمد حالة..  والوصول إلي صيغتها .. والتعرف علي معادلتها هو الفوز كل الفوز ..
فالحمد محطة انطلاق .. وفي ذات الوقت المقصد والمنزل ..
فلولا لحظات من الحمد تمر علي الأرواح لما قدرنا أن نطيق الدنيا يوماً واحداً ... لحظات يشعر فيها المرء بالإمتنان لأشياء عنده لا تقدر بمعيار المادة .. ويبدأ في النظر إلي الوجه الآخر للأشياء التي يكرهها ليري وجهها المنير .. ويشم رائحتها الخفية .. ويري يد العناية في خفايا المقدورات التي اعتبرها يوماً شروراً ..
حينها تتفتح عليه كوة النور ... وتتنزل عليه لذة السكون .. ويمسح علي قلبه بمسحات القديسين .. ويرتدي عباءات الصديقين .. ويشعر لأول مرة بلمسات الهواء المحيط لوجنتيه رابتاً .. وعبير أنفاسه تدلف إلي صدره محملة بروائح طمأنينة أبدية ..

وهنا يلحقها بلفلظة الربوبية .. الرب هو الخالق الرازق المعتني .. الرب هو المالك ... الرب هو المنشئ المربي ..
فحينما تمتزج حالة الحمد الخارجة من ذات المخلوق .. بحقيقة الربوبية ووجود العناية .. واليقين بقيومية المولي .. واطلاعه علي أدق تفاصيل الحياة .. حينها تمتزج المثنوية محدثة التفاعل الأضخم علي نطاق الكيان البشري .. تفاعل ماله سوي نتيجة واحدة وهي الانسجام .. الطمأنينة .. الإتساق مع الذات ومع الكون .. الأمان .. راحة البال .. السكينة .. 
حينها .. فقط .. يعثر علي كل تلك الكنوز البشرية المفقودة .. المفتقدة ..
حينها فقط .. يصبح لوجودنا معني .. ولسعينا مغزي .. ولطريقنا منتهي .. ولمقاصدنا وجهة .. ولشكوكنا خلاصاً .. ولرعشتنا دفئاً .. ولصراخنا مسمعاً ..

المثنوية الثالثة : الرحمن الرحيم
الكون قائم علي الرحمة .. سائر بالرحمة .. مكفول بالرحمة ..
الكون بدفتيه .. والرحمة بدفتيها ..
دفتي الكون الدنيا والآخرة .. ودفتي الرحمة .. "رحيمية .. رحمانية " ..
  
عجيبة هي صفات الجمال القدسي .. رحيم رحمان .. غفور وغافر وغفار ..
وكأنه يحيل الشكوك إلي تنوعية الصفات .. يمحي الارتياب باتساع المدي المتحقق بدفتي الصفة ..

نضرب لذاك مثالاً .. المذنب يحتاج إلي مدي أوسع من المغفرة .. فليس المذنب التائب المستغفر إلا رجل قد اسرف علي نفسه في اتجاهين أفقي ورأسي ..
فهو كثير الذنوب متعددها ..
وفي ذات الوقت غائص إلي عمق الذنب .... خائض في هاوية العصيان ..
فالذنب مجال ثنائي الأبعاد .. كم .. وكيف ..
فليست كل الذنوب في الوطأة سواء .. وليست تعداد الذنوب لكل كيان بشري متكافئ ..
لذا فهو يحتج بعدين لصفة المغفرة .. غفار وغفور ..

والكون كذلك يحتاج بعدين لصفة الرحمة .. رحمن ورحيم ..
يحتاج ابعاد كمية لا تعد في الإحصاء .. وأبعاد كيفية لا تسبر أغوار أعماقها واتساعاتها ..
لذا وحتي لا يتسرب الشك .. ولكي تتنزل اللمسات القدسية الحانية علي المخلوق القلق في سبيله الدنيوي الحائر المضطرب .. تتنزل صيغ الرحمة .. لتنقل إلي المخلوق لاشعورياً اتساعاً لا متناه للرحمة .. كذلك تعددية لا متناهية لأبعادها ..  حتي لايبقي مجالاً لريبة ..

يتبع ........................

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

الفاتحة

قبل الخوض ... ألا يستوقفك الاسم .. هلا غصت قليلاً في العنوان ..
نعم هي ليست مقدمة .. هي ليست افتتاحية .. 
إنما هي فاتحة .. اسم فاعل .. نعم هي فاتحة الكتاب .. هي مفتاح أسراره ..
فإن كان القرآن سر الكون .. فالفاتحة سر الأسرار .. 


((إنه لقرآن كريم .. في كتاب مكنون .. لا يمسه إلا المطهرون))
توقف هنا قليلاً .. اقرأ هاتين الآيتين باحساس مختلف .. المتبادر إلي الذهن أن الله يصف القرآن بالكريم .. وأنه بين دفتي المصحف المكنون.. والمتبادر أن مكنون وصف لكتاب .. اي تعرب نعت ..
ولكن دعنا نغوص ... نري قرآن خبر إن .. وفي ذات الوقت بداية جملة خبرها مكنون مؤخر .. بمعني أسرع أن أصل الجملة 
إن هو (هذا ) قرآن (كريم) مكنون في كتاب .. 
ويكون مكنون إشارة إلي القرآن المخبأة اسراره بين دفتيه .. لا يمسه إلا المطهرون ..
فإن لم يكن إلا لطاهري الظاهر مس دفتيه .. فلن يكون إلا لطاهري الباطن مس اسراره ومكنوناته ..


ولابد للطاهر الذي يغوص في اسراره من خريطة .. وشفرة تحل له أكواد الأسرار القدسية ..  ومفتاح يفتح له مستغلقات العوالم الغيبية ..
لذا لاعجب أن تسمي الفاتحة ..


يقولون أن مكنونات الكتب السماوية وأسرار الكون تجمعت في كتاب واحد هو القرآن ..
ويقولون أن القرآن إن صح تجمعه .. لاجتمع في فاتحته .. 


لا عجب إذن أن يصف المولي الفاتحة في موضع .. فيقول :
"ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " 
نعم .. إن الفاتحة نعمة عظمي . ومنة لا ينبغي أن تنسي .. نعمة داخل نعمة .. نعمة يضعها الله وحدها رغم كونها من القرآن ذاته .. ولكنها من الثقل .. والوطأة المعنوية والقدسية ما يجعلها تقف جوار القرآن كتفاً بكتف .. في سياق بيان التفضل الرباني بالمعجزة ..


السبع المثاني ..
سبعاً نفهمها فهي علي الأغلب سبع آيات .. 
فلم المثاني ..


إن السبع الثقيلات .. السبع المقدسات .. سبعة آيات تكررر في كل صلاة .. لاصلاة تصح دونها .. هي رقية الرقي .. ومفتاح الأسرار .. 
هي سبع قواعد عامة .. وخطوط عريضة تحكم السير البشري .. بل والسياق القرآن بأسره ..
وتلك القواعد السبعة هي قواعد مثنوية .. ليست ثنائية أو مزدوجة .. إنما كل قاعدة منها لها شقين .. كجناحين .. لا تتم إلا بالتحامهما ..


لذا هي السبع المثاني ..
العبث كل العبث أن أحاول الخوض فيها .. فالقرآن بأسره يدور حولها .. لذا سنوجز عرضها .. ونحيل إليها في أثناء تطوافنا في حمي القرآن ..
القاعدة الأولي : 
بسم الله الرحمن الرحيم ... 
وهي آية كاملة .. من أصل الفاتحة .. وهنا فقط في الفاتحة هي من أصل السورة .. فنجدها مرقمة علي أرجح الآراء كآية أولي ..
وذاك من الإعجاز التكنيكي للقرآن ..
أن يضع المولي لفظة افتتاحية .. تصنع سياجاً ومرحلة انتقالية بين السورتين .. وبين الكلام البشري والكلام القدسي .. ويجعلها خارجية ليست من سياق السور القرآنية التالية.. 
إلا في موضع واحد .. هنا .. الفاتحة
فالإفتتاحة القرآنية العامة .. هي من صميم الإفتتاحة القرآنية الخاصة ..
وكأنها أشارة أنه إن كانت البسملة المرحلة الانتقالية اللازمة لبداية التلاوة .. فالفاتحة هي المرحلة الانتقالية اللازمة لبداية الغوص في القرآن .. والتلقي عن الله ... وسبر أغوار اسراره ..
 وكأنك بالبسملة علي خطا نبي الله موسي يخلع نعليه علي اعتاب الواد المقدس طوي ..


يخلع النعل .. مكان اتصال الكيان البشري بالأرض .. النعل التذكرة بالتراب .. النعل رمز الإلتصاق بالأرض .. والإلتحام بالتراب .. يجب أن يترك هناك علي عتبة الاتصال بالسماء .. علي عتبة طوي ..
وياللإسم "طوي " .. الله اطلق عليه الإسم .. وعرف موسي عليه ..
طوي يطوي ماضي الحيرة والذنب .. طوي يطوي الدنيا ويفتح شراعات الآخرة .. طوي يغلق النوافذ الضيقة للكون.. ليقحمك فضاءات التحليق في حضرة الاتصال بالمكون ..
والقرآن .. هو "طوي" النفوس .. 
القرآن "طوي" خاص بكل منا .. بكل من أراد أن يطوي صفحة الضيق .. ويفتح للنفس أفاقها المحصورة .. وينير دهاليز ظلماتها ..


وكأنه يشير بكون البسملة .. اية اصلية من اصل السورة .. وانتقالية داعمة في غيرها .. أن الفاتحة هي حركة خلع نعال الجاهلية ..
الفاتحة هي عتبة طوي السرمدي .. هي النداء الرباني بخلع النعلين والقاء الدنيا ظهريا ..
ليس هذا فقط .. وإنما كما كان لموسي خلع النعلين .. تعارف بينه وبين طوي .. وكأنك تشعر بربك يعرف الكيانين ..
ياموسي .. هذا طوي ..
ويا طوي .. ذاك موسي .
فالكل منبثق من ذات المصدر .. 
يطلق الله الإسم علي الوادي .. ليشعرك بذاك الإتصال مع الكون .. اتصال وحدة المكون .. والتقاء المصدر .. 
فيا أيها السائر إلي الله .. الحائر .. المتتبع لبريق النار المترامي خارج طوي .. هي الفاتحة تناديك .. قل لدنياك أن تمكث .. وقل لأهلك يمكثوا فقد رايت نوراً .. لعلك تأتيهم بقبس أو جذوة تنير فضاءاتهم .. واخلع نعليك إنك علي أعتاب القرآن ..
والفاتحة هي تعارف بينك وبين القرآن .. 
إنها من القرآن نعم .. ولكنها جميعها تدور علي لسانك أنت .. هي كلام الله علي لسانك ..!!
اتشعر بتلك الوطأة .. والدهشة .. والسرور .. 
فأنت المبسمل .. وأنت الحامد .. وأنت المستعين .. والمعلن العبودية .. والطالب الهداية ..


هل أحسستها الآن .. عتبة وتعارف .. 
امتزاج وحيد بين كلام الله وألسنة البشر دون قالوا أو قال أو قل...
أنت تدلف إلي الفاتحة لتدلف إلي القرآن .. فتجد الفاتحة تلقمك كلمات الله تخرج منك أنت .. ليحصل علي عتبة القرآن الإمتزاج ..
أليس القرآن انطباق لترددات الروح مع سر الكون ..
وكأنها تعلن أنه ليس ذاك القرآن كتاب تقرأه..
إنما كتاب تحياه .. تمتزج به .. تفكر به .. 


مثنوية البسملة .. 
1- كل حركة وسكنة ونسمة وذرة تنتقل .. الكل يتم بأمره ومشيئته .. وباسمه الكون يسير 
2- لكنه يسير بالرحمة .. لا بتعسفية القواعد .. أو سلطة الهيمنة القاسية .. إنما هي رحمة (رحمانية رحيمة) رحمة الكم والكيف ....
رحمة الوسيلة والنتيجة .. رحمة الظاهر والباطن ..


فالكون كله لله وبالله .. ورحمته هي العنوان الرئيس لقيوميته ... 


يتبع .......................

الإحرام ..


بسم الله الرحمن الرحيم


هو إحرام .. لأن مع القرآن لا مقدمات .. 

هل هي عودة .. أم هي بداية جديدة ..
ربما الاثنان معا .. الأمر أكثر أهمية وخطورة مما كنت أوليه .. ليس الحديث حول القرآن ومحاولات الإسقاط علي الحياة .. ومحورة التجربة الذاتية حول النص الإلهي المقدس مجرد هواية .. أو صدفة فراغ .. أو حالة كتابية ..
الأمر اكبر بكثير .. القرآن هو الكتالوج الأعظم للحياة .. "مانيوال" الكينونة البشرية وكيفية تعاملها مع الكون .. ومع الآخر .. ومع الذات ..
القرآن معادلة مثالية .. متناسقة .. ومنسقة لحاملها ..

لذا فالكتابة حوله لن تكون من الآن درباً من الرفاهية الوقتية والكتابية .. ولن تكون بعون الله مرتبطة بالحالة النفسية .. أو الطاقة اللفظية .. أو الخواطر التي تموج لحظيا ..
لابد أن يكون الأمر أكثر نظامية .. فالحياة قصيرة .. ومواقفها واختياراتها لامتناهية .. ولابد لك من مسابقاتها .. والاستعداد بثوابت كاملة وقواعد راسخة مستقاة من الكلام القدسي .. حيث لا مجال للخطأ .. لا مجال للتجربة والفشل .. لامجال إلا للاستقرار .. والتناسقية .. والهارمونيا ....... والسعادة ...


لماذا الآن .. ولماذا هنا ..

هي المرة الأولي التي اشعر فيها بالفخر .. فخر حقيقي .. فخر انتشلني من هوة اليأس المؤقت .. ذاك اليأس الذي يتملكنا أحيانا .. يسيطر علي أمخاخنا .. حينما نشعر بشعور وحيد .. لا يمكننا إلا أن نصفه بأنه شعور للأسفل .. للاسفل .. شعور يشبه الغرق .. الاختناق .. الدفن حياً ...
ذاك الفخر الذي بدد اليأس حين عدت لقراءة تلك المدونة ثانية ..
لم أصدق أنني أنا كاتبها .. قرأت وقرأت وقرأت .. وكانني أنا المخاطب لا الكاتب .. وكأنني اقرأها لأول مرة ..
وأعجبتني ..
وحينها أيقنت أن الأمر ليس نتاج لحظات كتابية .. إنما هي بركة هذا الكتاب .. الذي يشع بنوره علي كل من يحوم حوله ..
وأصابني شغف ... شغف جديد بالحوم حول حماه ..  فهي حمي كريم كما وصفه رب السموات والأرضين .. والمتطفلين أعزاء في ظل الكريم .. والزائرين منعمين في ضيافة الكريم .. والمتحكين والمتمحكين مكرمين في ظل الكريم ..

لذا علمت أن تطفلي علي حمي القرآن .. وحوم حول حماه .. ذاك هو الشغف الذي ينبغي أن أغذيه وأغذيه .. فهو الشغف الأحق بالإتباع ..

شعرت  أثناء الدوران في محيط الكتاب العزيز .. وكأنني لهذا فقط خلقت .. خلقت للطواف بحضرة الكلام القدسي .. خلقت لخدمته .. خلقت للمثول علي عتبات القرآن متحسسا فيض كرم .. وحفنة عطف .. ودفقة سر ..

هناك كان سلام الروح السرمدي .. هناك في محيطه متعة الصمت .. ولذة الصفاء الداخلي ..
هناك في محيطه هارمونيا نغمية صامته ..
ففي محيط القرآن وحده تنطبق ترددات الروح مع ترددات الكون انطباقاً تاماً .. وحينها فقط تسكن سكوناً عجائبياً خاصاً .. لا يمكن لمن ذاقه أن ينساه أو يسلي عنه ..  ولا يمكن للذات الكون بأسره أن تعوضه دفقة منه .. ولا يمكن أن يسد فراغ فقدانه حاجيات الدنيا بأكملها ......

لذا فمنذ الآن حول القرآن سأطوف .. انهي الشوط الواحد في سنة أو اثنان أو خمسة لأبدأ طوافاً جديداً بعدها .. وهكذا يستمر تطواف بعد تطواف إلي أن ينقضي العمر ..


فحقيقة الحقائق أن العمر أقصر كثيراَ من مسافات الأسرار ....................