السبت، 2 أبريل 2011

القصص 2

"تلك آيات الكتاب المبين"
دائماً تلك المتتابعة القرآنية بعد الحروف المقطعة الغامضة ...
حديث عن كتاب الله .. لمحة عن الكتاب نفسه ..


وتلك من مقومات الأسلوب القرآني .. والتي لها في ذات الوقت لمحة خفية للمتدبر فيها ..
القرآن يصف القرآن في القرآن .. 
إن وصف القرآن بأنه كتاب مبين .. أو حكيم .. أو الحديث عن اعجاز القرآن نفسه إنما جاء بالقرآن نفسه ..؟؟!! 
وتلك طبيعة قدسية  .. الله وحده يمكنه أن يصف نفسه بما يستحق .. ويحمد نفسه بما يستحق ... ويثني علي ذاته بما هو أهله ..
ولما كان القرآن كلامه .. منه .. فلم يكن يسع الألسنة أن تحيطه وصفاً وثناءاً ..
لذا فوصفه منه .. وثناءه به فيه .. والتندر بإعجازه إنما جاء بين طياته هو .. إعجاز فوق إعجاز ..
وقوة استعلائية كبري .. تدهم النفوس .. لتسقط حصون الانكار .. 
وتدلف الكاريزما القرآنية .. والحضور الطاغي لكتاب لينافح عن نفسه بنفسه .. ليخاطب من النفس اوتاراً خفية .. ومستقبلات غيبية ..
مستقبلات تعلم .. أن ما يفعل ذاك إلا إله ,,
وما ينبثق مثل هذا الحديث إلا عن إله ..


وهي كذلك مقدمة .. واستهلال .. رائع ساطع .. استهلال يؤهل النفوس المستمعة أن انتبهي . فالقادم ليس قصصا عابثاً ..
ولا تندر حكائي عابر .. ولا مجرد اقصوصة الغاية منها المصمصمة .. أو العبرة القريبة ..
إنما هو منهج ضخم .. وقواعد تصور .. وقوانين كبري للاعتقاد .. واحدي مقومات البناء الدوواخل الانسانية ..
البناء بالقصة ..


واللمحة الخفية التي تلمع في: حديث القرآن عن نفسه ..
فالقرآن هو رسالة النبي .. وفي ذات الوقت هو معجزته ..
فهو المعجزة التي تحير العقول وتصيبها بالشلل لأنها تفوق معايير الإعتيادية .. فيؤمنون بالرسالة .. التي هي ذات المعجزة !!!
كما أن القرآن هو الهادي .. هو الهدي .. هو السبيل .. وفي ذات الوقت هو ذات الهداية .. وهو ذات الغاية ..
فهو الهداية والطريق إلي الحق .. وهو في ذات الوقت هو ذات الحق .. يهدي بنفسه إلي نفسه ...
نسق متكامل .. متناسق مع نفسه .. منسق لكل من دلف إليه  ..
فكيف يتسغرب أن يتحدث بنفسه عن نفسه ..
وأن تكون تلك سمة متتابعة الحروف المتقطعة ..



والمبين صفة ذات قطبين ..
فهي تخرج في الذهن صورتين ذهنيتين .. الأولي السطوع .. والوضوح .. فلا التفاف .. ولا غموض .. ولا حاجة للوساطة والترجمات والشروح والتفاسير مع القرآن .. فهو المبين ..
وصورة أخري كاسم فاعل .. بمعني الهداية والتبيين ..


وهي بهذا الصفة الأقرب لحالة حديث القرآن عن ذاته ..
وذاك من الإعجاز التكنيكي في القرآن ..

تري هل تلمح تلك الطبقات السردية .. layers 
فهي جملة واحدة .. بدأت بحروق مقطعة .. تلعب علي طبقتين .. طبقة اللفظ المجرد .. وطبقة النغم الداخلي المداعب لأشياء فينا لا نعيها ...
ثم حديث القرآن عن ذاته .. يلعب علي طبقتين .. طبقة بيان لفظي باقرار أن القرآن كتاب الله المبين ..
وطبقة داخلية يداعبها أن المتحدث هو القرآن نفسه .. وأن البيان جاء في ذات المبين .. تحيلنا إلي حقيقة هداية القرآن بنفسه إلي نفسه ..
وذاك يدلف بنا لي طبقة نفسية أعمق .. حين يشعرنا باكتفاء القرآن بنفسه ... واكتفاء منهجه حتي في وسائل هدايته نفسه بذات المنهج .. فالقرآن باعجازه يهدي إلي القرآن بمنهجه .. والكل قرآن ..
وذاك يجحملنا إلي طبقة أخري .. وهي طبقة الاكتمال .. فالقرآن اكمال للديانة السماوي بصورها القديمة .. والنسخة الأخيرة من مراحل تطور الديانة .. لا تطورها لأنها كانت تحتاج إلي تطور .. وإنما لحاجة البشر أنفسهم أن يتطوروا .. لذا فهي فقط كانت تنتظر تطورهم هم .. والقرآن هو البيان السماوي الأخير .. والصورة النهائية للتصور ..

وذاك التدبر نفسه يجعلنا نضع كلمة المبين في اطارها المعنوي بقطبيه ..
قطب الوضوح ..  وقطب الإبانة ..
قطب المنهج .. وقطب الهداية ...

طبقة .. نفهم فيها أن القرآن واضح ساطع جلي .. وطبقة نفهم فيها أن القرآن هو الهادي والدليل والنور الذي يستدل به في ظلمات التيه ..


إ، التدبر القرآني ليس إلي غوص في الحالة التي تغمرنا بها الآيات ..
تحليق معها حين ترفعنا بصورة ذهنية ما تدلف مع الكلمة والنغم والاتفاتة إلي طبقة .. وغوص معها حين تحملنا الجملة الكلية وتكنيك السرد .. والمتشابه والمختلف والإحالة والحمل المعنوي للفظ المستخدم إلي طبقات أخري ..
التدبر ليس سوي محاولة الإمساك بالصورة كاملة .. 
صورة السورة ...من العنوان .. للآيات .. للترتيب .. للعدد ..

ياله من اسم .. سورة .. كسور .. كبرواز يمسك الآيات والتراتبية والصور داخلها .. كعقد يلم حبات .. 
والتدبر هو الإمساك بحقيقة السورة .. صورتها الكاملة ..
أن تغلق السورة .. لست فقط متمعناً في آيات علي حدا .. أو معاني مختلفة .. لها أثر جد عظيم .. لا ننكره ..
وإنما أن تغلق السورة وقد تشربتها .. درت فيها كقصر واسع ارتسم في ذهنك خرائطه .. واحطت بسراديبه .. غصت في دهاليزه .. وركبت مصاعده .. 
وخرجت وقد خبرته ..


...............................
نتلو عليك من نبأ موسي وفرعون بالحق لقوم يؤمنون 
دخول فوري إلي القصة .. وذاك قلما يكون في القصة الطويلة في القرآن إلي في سورتين .. القصص ويوسف 
وتلك إحالة قرآنية ..
فذاك الأرتباط الذي ارتفع في الذهن بمجرد البداية السردية السريعة دون مقدمات بين يوسف والقصص .. هو ارتباط مقصود
ارتباط يحيلنا إلي مقارنة مطلوبة بين يوسف وموسي ..
مقارنات سيتجلي اثرها خلال الخوض في السورة هنا آية بعد آية .. ليرسم في النهاية صورتين كبيرتين ويضعهما معاً في مجموعة عصبية واحدة في المخ البشري ..  صورة البناء اليوسفي والبناء الموسوي 

وهنا نوع سردي من أنواع السرد القرآني .. تعريف بالشخصيات .. وخلفية تاريخية للقصة ..

موسي وفرعون .. ثم مصر قبل موسي 
وذاك غير تكنيك السرد المتبع في قصة يوسف حيث بدأ السرد بأن تفتح الستارة علي حلم .. غامض بشمس وقمر ونجوم يسجدون لطفل صغير .. يروي حلمه لأبيه .. رباه .. ما أجمل طعم القصة .. ببداية مشوقة كتلك .. لذا لا عجب أن نجد المستجدين علي الإسلام .. والأطفال يعشقون سورة يوسف دون أن يدون لماذا ..
لقد استخدم ربنا في القرآن تكنيكات سردية .. التدبر فيها وحد من وجهة نظر أدبية .. يصيبنا بالثمالة .. بالدوار .. بالتلذذ ..


وفي القصص .. وكأنه يقول كان ياماكان .. كان فيه واحد اسمه موسي .. وواحد اسمه فرعون ..
لم يقل أيهم من .. ومن البطل .. تماماً كتشويق حكايا الصغار ..


ثم خلفية تاريخية ... لو دلف إليه مباشرة لضاع التشويق ..
فلو قال مثلاً إن فرعون علا  واستعبد واستضعف .. لما انتظر السامع ظهور موسي ..
لكنه بتلك الآية .. آية نتلو عليك ..
خاض بعدها في طغيان فرعون والكل ينتظر .. من موسي .. ومتي يظهر .. 

وحين يظهر .. نعلم أن لهذا الطفل شأن ما في الحكاية .. ننتظر متي يكبر ..
ولولا أن قال نتلو من نبأ موسي وفرعون .. وأعلمنا من البداية أن موسي وفرعون هما الخصمين .. وأن بينهما معركة ما .. وأنهما طرفي القصة ..
لما شهقنا مع التابوت الخشبي الذي يفتح في بيت فرعون ليجد فيه موسي .. ولما تعلقت العيون بسكين فرعون علي رقبة موسي في قصره .. وتدخل العناية الربانية بالانقاذ .. كذبيح جديد .. وكعهد الأنبياء مع الفداء منذ اسماعيل ..
ولما ارتفعت علامات التعجب من ذاك الانسجام الأولي لموسي في بيت فرعون .. الانسجام الذي استوجب علي خلاف سورة يوسف تدخل اللفظ ا"استوي" علي الآية المتشابههة بينهما ..
ولما بلغ اشده اتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ... سورة يوسف

ولما بلغ اشده واستوي اتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين .. سورة القصص 


موسي يتربي في بيت العدو .. في بيت فرعون .. ومهما كان المصير المنتظر إن للتربية والبيئة المحيطة عواملها.. 
فكان لابد من الاستواء .. استواء يوحي بالتنظيف من أي ما قد يكون قد علق به من تلك البيئة .. ومن هذه التربية ..
أما يوسف فيتربي في بيت يعقوب .. نبي ابن نبي ابن نبي .. فأي شيء يمكن ان يعلق به ؟؟؟!!ـ

إن هناك طبقة تدبر خفية في سورة القصص .. وهي اسلوب الحكي ذاته .. التسارع الزمني حينا له مغزي خفي .. والتباطؤ في وصف بعض الأحداث حينا له معني مغمور .. لايجب أن نغفل تلك الطبقة في الحديث عن سورة القصص 

وإلا فكيف بنا هنا نفهم اسم السورة نفسها .. القصص 

إذا سمي الله السورة بالقصص .. فلتنخرس ألسنة التنظير الأدبي .. ولتصمت أقلام النظريات الروائية .. وليجلس الجميع كتلاميذ أمام السرد القصصي الرباني .. ولتنفتح اقسام الجامعات لتدريس الحكي القرآني .. والالتفات .. والعقدة .. والشخصيات .. والنمو .. والتشويق .. والغاية .. والرسالة .. فحينما يحكي الله .. إنما يحكي من يحكي بعده بما لديه من صفاقة 
افبعد حكايا المولي الحق .. هل من حكايا 

يتبع .....................

الأربعاء، 5 يناير 2011

سورة القصص .. مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم ..
بسم الله .. التي لا يجوز إلا أن يبدأ بها كل عمل ذي بال .. فكيف والبال يعصر تركيزه .. والبال يجمع فتاته ويلملم شتاته ليدلف إلي كتاب الله ..
كيف والبال يسعي للخلاص من الهم والقلق .. فلا يجد إلا في القرآن مهرباً وملاذاً ..
كيف والبال يتخير عند كل موقف وعند كل حالة من بستان القرآن زهرة يبدد عبيرها نتن المادية .. ويحيل اكسيرها عفن التصورات جناناً ..

لماذا القصص .. ولماذا الآن ..
نصيحة لكل حائر .. لكل من طوقته الهموم .. لكل من ضاعت بوصلته .. وتاه منه المقصد .. وهرب منه المآل .. لكل من تخلف وراء الركب .. وغاصت راحلته ونفد منه الزاد ..واصبح يتلفت حوله يتلمس ظلاً .. يتلمس كسرة خبز.. يتلمس نوراً يهتدي به في ظلمات التوهة ..
نصيحة لمن أراد أن يفقه الخطة الربانية العامة للحياة .. لمن أراد أن يقرأ في السيرة الذاتية للعظماء يتلمس عبرة وهدي ..
نصيحة أن يدلف إلي السير التي رسمها الله بيده .. سيرة كاملة من المولد للنجاح ..
هناك سيرتين في كتاب الله .. سيرة يوسف الصديق في سورة باسمه وللاسم مغزي .. وسيرة موسي الكليم في سورة القصص ووللاسم دلالة ..
هي لم تسم سورة موسي .. لأنه لم يكن من البدء نبياً .. ولم يكن لموسي اشارة نبوة واضحه تخبره بأن هناك ما ينتظره .. كما كان ليوسف .
بل لم يكن موسي قبل النبوة واضح العقيدة كيوسف الصديق ابن يعقوب النبي حفيد ابراهيم الخليل ..
وإذا أردت أن تتحقق من ذاك فلتقرأ الآية التي تحيل السورتين وتربطهما معاً .. والتي تصف النبيين ونشاتهم ولا تختلف إلا في كلمة ..
تلك الكلمة وحدها تبين لك لماذا اختلفت التسمية في الحالتين ..
في سورة يوسف "فلما بلغ أشده أتيناه حكما وعلماً "
أما في سورة القصص "فلما بلغ أشده واستوي أتيناه حكماً وعلماً "
نعم موسي كان يحتاج إلي الاستواء .. موسي كان يحتاج إلي تدخل الأقدار لإزالة أي شوائب خلفتها التربية أو المجتمع أو غياب الوضوح الكامل للتصور ..
موسي الوليد تربي في بيت فرعون المتأله .. ويوسف الوليد تربي في بيت يعقوب النبي ..
لم يكن ينتظر يوسف لـتأتيه أنوار النبوة سوي البلوغ .. لم يكن ينقصه سوي الزمن .,. فقط مزيداً من الوقت ..
أما موسي .. فقد كان ينتظره الكثير .. ينتظره تمحيص .. وتمحيص .. ليس مجرد الزمن ..
لذا يلقي يوسف في السجن فيوسف سيحتمل .. أما موسي فيتم تهريبه بالعناية القدسية ليلقي في رحاب الرجل الصالح الذي يقال هو شعيب نفسه ليتم تربوياته .. يلقي عشر سنوات في الصحراء ليستوي ..

لذا فقصة موسي أكثر عمومية .. أكثر بشرية .. أكثر قرباً من الاعتيادية البشرية .. لذا سميت علي عمومها القصص ..
وما يميز قصة موسي عن قصة يوسف أن قصة موسي قصة أمة بأكملها ... وقصة الصراع الكامل بين قوي الحق  والباطل .. قصة متعددة الأبعاد ..متراكبة العظة .. متداخلة العبر والأهداف .. لذا كان يلائمها أكثر عنوان القصص .. أكثر من أن تسمي سورة موسي ..
أما قصة يوسف فهي تغوص في العمق الداخلي تغوص في أبعاد ذاتية .. تضرب علي أوتار حميمة .. كالحسد .. والشهوة ..

سبحان من أبدع التصوير القصصي  ولم يحرم عباده من لذة القصة والرواية .. فأعطي لنا مثالا علي القصة العامة متعددة الأبعاد .. والقصة النفسية الشخصية العميقة المتمركزة حول الإنسان ..

لماذا القصص الآن ..
فقط لأني احتاج إليها الآن بالذات ..
فهي تحمل إجابات عدة .. حول تحقيق الذات .. حول التحديات .. حول الفرصة الثانية .. حول الخطيئة .. والخروج من ظلمة الخطأ إلي لامتناهية الصفاء .. حول الذات والتعامل مع اشكالية اللإفتتان بالنفس .. حول المرأة والزواج .. حول الصبر واليقين .. حول القدر والعناية .. حول الحكمة الخفية .. حول المعاناة ..
هي إجابات احتاج إليها الآن .. ويحتاج إليها كل من يقبل علي الحياة العملية أو الزواج .. بل كل من يطمح إلي تغيير حياته ..
إلي كل من يسعي إلي فرصة ثانية ..
إلي كل من لا يستطيع رؤية معني لحياته .. إلي كل من يشعر بالخواء .. والفراغ النفسي .. ويحتاج إلي أن يمسك بين يديه معني .. غاية ما ..  يحتاج أن يصل إلي حقيقة كينونته ..

إلي كل من أخذته الدنيا .. حتي استيقظ يوماً فلم يعرف من هو .. ولم يدرك ماهيته .. لم يلمس حقيقته .. إلي كل من شعر للحظات _وأحيانا لسنوات _ أنه قد تاه عن نفسه .. وفقد روحه ..  


طسم ..
الطواسين ثلاثة .. القصص ثالثتهما ..
طسم الشعراء .. وطس النمل .. وطسم القصص...

الطواسين .. ما يميزها أن لها علاقة وطيدة بالقصة القرآنية .. وتتميز بأسلوب السرد والحكاية ..
الطواسين ما يميزها .. أنها لا تمهد للقصة بل تدلف إلي القصة من أول السورة ..
طسم الشعراء .. تمر بأسلوب السرد السريع .. كنوع من الحكي الوثائقي الذي يتصفح التاريخ البشري .. وتاريخ الصراع النبوي الظلامي بصفحاته .. في أسلوب سريع يعتمد علي التماثلية .. ليحيك في الذهن قصة النبوات مترابطة .. فالرسالة واحدة والمصدر واحد .. بل والشر أيضا واحد والشيطان واحد وإن تعددت الصور والحجج الواهية لمقاومة النور ..
في مقاطع كثيرة .. تذكرك بأبيات الشعر وأشطاره .. لذا فلا عجب حين تسمي الشعراء .. وآخرها يقنن حدود الفن الإبداعي باسره .. بعدما خلب الأذهان بموسيقي رائعة .. اصبح قول الشعر جوارها ضرباً من النزق ...

ثم طس النمل .. ترحل بنا في مملكة عجائبية .. مملكة خارج القوانين الطبيعية .. مملكة لا منطقية .. غرائبية ... مملكة سليمان النبي . لذا فلا عجب أن يكون قول نملة هو اسم السورة بأكملها .. اشارة إلي ذلك العالم العجيب الذي تحويه تلك السورة ..
وسبحان الملك القدوس وتامل تلك الوحدة النفسية بين السور القرآنية .. فسورة النمل تلك بعجائبيتها .. تنتهي بذكر الدابة التي تكلم الناس في آخر الزمان .. والجبال التي تسير كالسحب .. وكأنك تري ذاك العالم العجيب .. اللامنطقي تحملك إليه السورة منذ عنوانها ومطلعها إلي قصصها (الهدهد الداعية .. مملكة وإمرأة .. عرش يسير عبر الزمن .. قصر بأرضية من عجائبية صنعها تسلم له ملكة ) ثم الدابة وحقيقة سير الجبال ..

ثم طسم القصص .. وهي القصة الطويلة .. متعددة المراحل .. تري فيها نمو الشخصية في أجمل صوره .. تراها حينا بطيئة الإيقاع للغاية .. حين يصف لك مسيرة موسي في السوق ثم رحلته خارج مصر .. ويتسارع الإيقاع بقوة في مدين .. ليتباطأ ثانية حين مشهد الوحي والنار واللقاء بطوي .. ويتسارع في مشاهد الصراع .. ليصل لي ذروة التسارع في المشهد الأخير مع فرعون .. ليخبرك أنه ليست النهاية هي المقصود والعبرة .. وإنما المسيرة .. الرحلة .. النمو .. الصيرورة ...
صفحات وصفحات وصفحات في مشاهد نمو موسي .. وبضع آيات للصراع الأخير ,.. وآيتين فقط للنهاية ..

حتي الإيقاع الزمني القرآني له غاية وهدف .. فهل من مدكر ..؟؟

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

الفاتحة 2


بسم الله الرحمن الرحيم

لازلنا في فلك الفاتحة ندور .. ولاعجب إن ظللنا في دوران أزلي .. فإن كان ما وراء الباب لا نهائي الاسرار .. فلابد أن يتناسب الباب مع ما يخفيه  ..
ولاعجب أن تكون الوطأة المعنوية للمفتاح ملائمة لوطأة النص الآتي ..

المثني الثاني : الحمد لله رب العالمين
مثنويته :
الجناح الأول: الحمد هي حالة البدء وهي في ذات الوقت محطة الوصول .. الجناح الثاني: ليس الحمد إلا انبثاق تحقق العبد من عبوديته .. وإعلانه ويقينه ربوبية المولي ..

الحمد ..
لولا نزول تلك النصوص الربانية لما كان لتلك الكلمة توصيف لغوي واضح .. فالحمد كلمة نشئت مع النبوة ..
كلمة تضم الشكر وتتعداه .. وتضم الامتنان وتتعداه .. وتضم الرضا وتتعداه ..
لذا فلم يصلح إلا أن تكون لفظة سماوية لتلائم ذاك الحمل المعنوي الثقيل ..
الامتنان حالة تقدير النعمة من المنعم .. والشكر حالة إعلان هذا التقدير ..
والرضا حالة تسليم وسكون للمقدور والمحيط بلا تشنج أو تافف وهي تناسب أكثر البلاء ..
والحمد مناط ذلك كله .. يحوي ذاك جميعه ويتجاوزه ..  
فلا امتنان يناسب البلاء .. ومجرد الرضا يبخس العطاء ..
ولكن الحمد وحده يوافق العطاء والمنع .. والبسط والقبض .. الرخاء والشدة ..

الحمد هو حالة العبد في ثناءه علي عطية المولي خيرها وشرها ..  "أو بمعني أدق ظاهرية شرها" فلا شر منه يخرج .. إنما هو خير مقنع ..
ولو ترك المولي لكل منا ثناءه .. لاختلفت الموازين .. فذاك اديب يبالغ في الثناء ويبدع قصائد المديح .. وذاك فقير يتلعثم ولا يعلم كيفية التعبير ..
والثناء مدخل المداخل للمحبوب .. لذا فيختصر لنا المولي الطريق .. ويوحد الألسنة في صيغة قدسية لا مثيل لها .. فينزل من علياءه صيغة الحمد .. الحمد لله رب العالمين .. وصيغة الثناء .. سبحان ..

ولا عجب كذلك أن يكون اشتقاق اسم نبي تلك الرسالة من ذات المصدر .. محمد .. وكان ذاك اسماً غريباً علي العرب ..
فالحمد بدء القرآن .. والحمد مادة اسم النبي .. محمد .. وأحمد .. صلي الله عليه وسلم ..

الحمد هي كلمة البدء .. وحالة البدء .. وهي مختصر السعادة والحل الجذري لمشكلة الواقع البشري بأكمله ..
الحمد هو سر الأسرار .. الحلقة المفقودة لشفرة سكون الأرواح المضطربة ..

الحمد حالة..  والوصول إلي صيغتها .. والتعرف علي معادلتها هو الفوز كل الفوز ..
فالحمد محطة انطلاق .. وفي ذات الوقت المقصد والمنزل ..
فلولا لحظات من الحمد تمر علي الأرواح لما قدرنا أن نطيق الدنيا يوماً واحداً ... لحظات يشعر فيها المرء بالإمتنان لأشياء عنده لا تقدر بمعيار المادة .. ويبدأ في النظر إلي الوجه الآخر للأشياء التي يكرهها ليري وجهها المنير .. ويشم رائحتها الخفية .. ويري يد العناية في خفايا المقدورات التي اعتبرها يوماً شروراً ..
حينها تتفتح عليه كوة النور ... وتتنزل عليه لذة السكون .. ويمسح علي قلبه بمسحات القديسين .. ويرتدي عباءات الصديقين .. ويشعر لأول مرة بلمسات الهواء المحيط لوجنتيه رابتاً .. وعبير أنفاسه تدلف إلي صدره محملة بروائح طمأنينة أبدية ..

وهنا يلحقها بلفلظة الربوبية .. الرب هو الخالق الرازق المعتني .. الرب هو المالك ... الرب هو المنشئ المربي ..
فحينما تمتزج حالة الحمد الخارجة من ذات المخلوق .. بحقيقة الربوبية ووجود العناية .. واليقين بقيومية المولي .. واطلاعه علي أدق تفاصيل الحياة .. حينها تمتزج المثنوية محدثة التفاعل الأضخم علي نطاق الكيان البشري .. تفاعل ماله سوي نتيجة واحدة وهي الانسجام .. الطمأنينة .. الإتساق مع الذات ومع الكون .. الأمان .. راحة البال .. السكينة .. 
حينها .. فقط .. يعثر علي كل تلك الكنوز البشرية المفقودة .. المفتقدة ..
حينها فقط .. يصبح لوجودنا معني .. ولسعينا مغزي .. ولطريقنا منتهي .. ولمقاصدنا وجهة .. ولشكوكنا خلاصاً .. ولرعشتنا دفئاً .. ولصراخنا مسمعاً ..

المثنوية الثالثة : الرحمن الرحيم
الكون قائم علي الرحمة .. سائر بالرحمة .. مكفول بالرحمة ..
الكون بدفتيه .. والرحمة بدفتيها ..
دفتي الكون الدنيا والآخرة .. ودفتي الرحمة .. "رحيمية .. رحمانية " ..
  
عجيبة هي صفات الجمال القدسي .. رحيم رحمان .. غفور وغافر وغفار ..
وكأنه يحيل الشكوك إلي تنوعية الصفات .. يمحي الارتياب باتساع المدي المتحقق بدفتي الصفة ..

نضرب لذاك مثالاً .. المذنب يحتاج إلي مدي أوسع من المغفرة .. فليس المذنب التائب المستغفر إلا رجل قد اسرف علي نفسه في اتجاهين أفقي ورأسي ..
فهو كثير الذنوب متعددها ..
وفي ذات الوقت غائص إلي عمق الذنب .... خائض في هاوية العصيان ..
فالذنب مجال ثنائي الأبعاد .. كم .. وكيف ..
فليست كل الذنوب في الوطأة سواء .. وليست تعداد الذنوب لكل كيان بشري متكافئ ..
لذا فهو يحتج بعدين لصفة المغفرة .. غفار وغفور ..

والكون كذلك يحتاج بعدين لصفة الرحمة .. رحمن ورحيم ..
يحتاج ابعاد كمية لا تعد في الإحصاء .. وأبعاد كيفية لا تسبر أغوار أعماقها واتساعاتها ..
لذا وحتي لا يتسرب الشك .. ولكي تتنزل اللمسات القدسية الحانية علي المخلوق القلق في سبيله الدنيوي الحائر المضطرب .. تتنزل صيغ الرحمة .. لتنقل إلي المخلوق لاشعورياً اتساعاً لا متناه للرحمة .. كذلك تعددية لا متناهية لأبعادها ..  حتي لايبقي مجالاً لريبة ..

يتبع ........................

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

الفاتحة

قبل الخوض ... ألا يستوقفك الاسم .. هلا غصت قليلاً في العنوان ..
نعم هي ليست مقدمة .. هي ليست افتتاحية .. 
إنما هي فاتحة .. اسم فاعل .. نعم هي فاتحة الكتاب .. هي مفتاح أسراره ..
فإن كان القرآن سر الكون .. فالفاتحة سر الأسرار .. 


((إنه لقرآن كريم .. في كتاب مكنون .. لا يمسه إلا المطهرون))
توقف هنا قليلاً .. اقرأ هاتين الآيتين باحساس مختلف .. المتبادر إلي الذهن أن الله يصف القرآن بالكريم .. وأنه بين دفتي المصحف المكنون.. والمتبادر أن مكنون وصف لكتاب .. اي تعرب نعت ..
ولكن دعنا نغوص ... نري قرآن خبر إن .. وفي ذات الوقت بداية جملة خبرها مكنون مؤخر .. بمعني أسرع أن أصل الجملة 
إن هو (هذا ) قرآن (كريم) مكنون في كتاب .. 
ويكون مكنون إشارة إلي القرآن المخبأة اسراره بين دفتيه .. لا يمسه إلا المطهرون ..
فإن لم يكن إلا لطاهري الظاهر مس دفتيه .. فلن يكون إلا لطاهري الباطن مس اسراره ومكنوناته ..


ولابد للطاهر الذي يغوص في اسراره من خريطة .. وشفرة تحل له أكواد الأسرار القدسية ..  ومفتاح يفتح له مستغلقات العوالم الغيبية ..
لذا لاعجب أن تسمي الفاتحة ..


يقولون أن مكنونات الكتب السماوية وأسرار الكون تجمعت في كتاب واحد هو القرآن ..
ويقولون أن القرآن إن صح تجمعه .. لاجتمع في فاتحته .. 


لا عجب إذن أن يصف المولي الفاتحة في موضع .. فيقول :
"ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " 
نعم .. إن الفاتحة نعمة عظمي . ومنة لا ينبغي أن تنسي .. نعمة داخل نعمة .. نعمة يضعها الله وحدها رغم كونها من القرآن ذاته .. ولكنها من الثقل .. والوطأة المعنوية والقدسية ما يجعلها تقف جوار القرآن كتفاً بكتف .. في سياق بيان التفضل الرباني بالمعجزة ..


السبع المثاني ..
سبعاً نفهمها فهي علي الأغلب سبع آيات .. 
فلم المثاني ..


إن السبع الثقيلات .. السبع المقدسات .. سبعة آيات تكررر في كل صلاة .. لاصلاة تصح دونها .. هي رقية الرقي .. ومفتاح الأسرار .. 
هي سبع قواعد عامة .. وخطوط عريضة تحكم السير البشري .. بل والسياق القرآن بأسره ..
وتلك القواعد السبعة هي قواعد مثنوية .. ليست ثنائية أو مزدوجة .. إنما كل قاعدة منها لها شقين .. كجناحين .. لا تتم إلا بالتحامهما ..


لذا هي السبع المثاني ..
العبث كل العبث أن أحاول الخوض فيها .. فالقرآن بأسره يدور حولها .. لذا سنوجز عرضها .. ونحيل إليها في أثناء تطوافنا في حمي القرآن ..
القاعدة الأولي : 
بسم الله الرحمن الرحيم ... 
وهي آية كاملة .. من أصل الفاتحة .. وهنا فقط في الفاتحة هي من أصل السورة .. فنجدها مرقمة علي أرجح الآراء كآية أولي ..
وذاك من الإعجاز التكنيكي للقرآن ..
أن يضع المولي لفظة افتتاحية .. تصنع سياجاً ومرحلة انتقالية بين السورتين .. وبين الكلام البشري والكلام القدسي .. ويجعلها خارجية ليست من سياق السور القرآنية التالية.. 
إلا في موضع واحد .. هنا .. الفاتحة
فالإفتتاحة القرآنية العامة .. هي من صميم الإفتتاحة القرآنية الخاصة ..
وكأنها أشارة أنه إن كانت البسملة المرحلة الانتقالية اللازمة لبداية التلاوة .. فالفاتحة هي المرحلة الانتقالية اللازمة لبداية الغوص في القرآن .. والتلقي عن الله ... وسبر أغوار اسراره ..
 وكأنك بالبسملة علي خطا نبي الله موسي يخلع نعليه علي اعتاب الواد المقدس طوي ..


يخلع النعل .. مكان اتصال الكيان البشري بالأرض .. النعل التذكرة بالتراب .. النعل رمز الإلتصاق بالأرض .. والإلتحام بالتراب .. يجب أن يترك هناك علي عتبة الاتصال بالسماء .. علي عتبة طوي ..
وياللإسم "طوي " .. الله اطلق عليه الإسم .. وعرف موسي عليه ..
طوي يطوي ماضي الحيرة والذنب .. طوي يطوي الدنيا ويفتح شراعات الآخرة .. طوي يغلق النوافذ الضيقة للكون.. ليقحمك فضاءات التحليق في حضرة الاتصال بالمكون ..
والقرآن .. هو "طوي" النفوس .. 
القرآن "طوي" خاص بكل منا .. بكل من أراد أن يطوي صفحة الضيق .. ويفتح للنفس أفاقها المحصورة .. وينير دهاليز ظلماتها ..


وكأنه يشير بكون البسملة .. اية اصلية من اصل السورة .. وانتقالية داعمة في غيرها .. أن الفاتحة هي حركة خلع نعال الجاهلية ..
الفاتحة هي عتبة طوي السرمدي .. هي النداء الرباني بخلع النعلين والقاء الدنيا ظهريا ..
ليس هذا فقط .. وإنما كما كان لموسي خلع النعلين .. تعارف بينه وبين طوي .. وكأنك تشعر بربك يعرف الكيانين ..
ياموسي .. هذا طوي ..
ويا طوي .. ذاك موسي .
فالكل منبثق من ذات المصدر .. 
يطلق الله الإسم علي الوادي .. ليشعرك بذاك الإتصال مع الكون .. اتصال وحدة المكون .. والتقاء المصدر .. 
فيا أيها السائر إلي الله .. الحائر .. المتتبع لبريق النار المترامي خارج طوي .. هي الفاتحة تناديك .. قل لدنياك أن تمكث .. وقل لأهلك يمكثوا فقد رايت نوراً .. لعلك تأتيهم بقبس أو جذوة تنير فضاءاتهم .. واخلع نعليك إنك علي أعتاب القرآن ..
والفاتحة هي تعارف بينك وبين القرآن .. 
إنها من القرآن نعم .. ولكنها جميعها تدور علي لسانك أنت .. هي كلام الله علي لسانك ..!!
اتشعر بتلك الوطأة .. والدهشة .. والسرور .. 
فأنت المبسمل .. وأنت الحامد .. وأنت المستعين .. والمعلن العبودية .. والطالب الهداية ..


هل أحسستها الآن .. عتبة وتعارف .. 
امتزاج وحيد بين كلام الله وألسنة البشر دون قالوا أو قال أو قل...
أنت تدلف إلي الفاتحة لتدلف إلي القرآن .. فتجد الفاتحة تلقمك كلمات الله تخرج منك أنت .. ليحصل علي عتبة القرآن الإمتزاج ..
أليس القرآن انطباق لترددات الروح مع سر الكون ..
وكأنها تعلن أنه ليس ذاك القرآن كتاب تقرأه..
إنما كتاب تحياه .. تمتزج به .. تفكر به .. 


مثنوية البسملة .. 
1- كل حركة وسكنة ونسمة وذرة تنتقل .. الكل يتم بأمره ومشيئته .. وباسمه الكون يسير 
2- لكنه يسير بالرحمة .. لا بتعسفية القواعد .. أو سلطة الهيمنة القاسية .. إنما هي رحمة (رحمانية رحيمة) رحمة الكم والكيف ....
رحمة الوسيلة والنتيجة .. رحمة الظاهر والباطن ..


فالكون كله لله وبالله .. ورحمته هي العنوان الرئيس لقيوميته ... 


يتبع .......................

الإحرام ..


بسم الله الرحمن الرحيم


هو إحرام .. لأن مع القرآن لا مقدمات .. 

هل هي عودة .. أم هي بداية جديدة ..
ربما الاثنان معا .. الأمر أكثر أهمية وخطورة مما كنت أوليه .. ليس الحديث حول القرآن ومحاولات الإسقاط علي الحياة .. ومحورة التجربة الذاتية حول النص الإلهي المقدس مجرد هواية .. أو صدفة فراغ .. أو حالة كتابية ..
الأمر اكبر بكثير .. القرآن هو الكتالوج الأعظم للحياة .. "مانيوال" الكينونة البشرية وكيفية تعاملها مع الكون .. ومع الآخر .. ومع الذات ..
القرآن معادلة مثالية .. متناسقة .. ومنسقة لحاملها ..

لذا فالكتابة حوله لن تكون من الآن درباً من الرفاهية الوقتية والكتابية .. ولن تكون بعون الله مرتبطة بالحالة النفسية .. أو الطاقة اللفظية .. أو الخواطر التي تموج لحظيا ..
لابد أن يكون الأمر أكثر نظامية .. فالحياة قصيرة .. ومواقفها واختياراتها لامتناهية .. ولابد لك من مسابقاتها .. والاستعداد بثوابت كاملة وقواعد راسخة مستقاة من الكلام القدسي .. حيث لا مجال للخطأ .. لا مجال للتجربة والفشل .. لامجال إلا للاستقرار .. والتناسقية .. والهارمونيا ....... والسعادة ...


لماذا الآن .. ولماذا هنا ..

هي المرة الأولي التي اشعر فيها بالفخر .. فخر حقيقي .. فخر انتشلني من هوة اليأس المؤقت .. ذاك اليأس الذي يتملكنا أحيانا .. يسيطر علي أمخاخنا .. حينما نشعر بشعور وحيد .. لا يمكننا إلا أن نصفه بأنه شعور للأسفل .. للاسفل .. شعور يشبه الغرق .. الاختناق .. الدفن حياً ...
ذاك الفخر الذي بدد اليأس حين عدت لقراءة تلك المدونة ثانية ..
لم أصدق أنني أنا كاتبها .. قرأت وقرأت وقرأت .. وكانني أنا المخاطب لا الكاتب .. وكأنني اقرأها لأول مرة ..
وأعجبتني ..
وحينها أيقنت أن الأمر ليس نتاج لحظات كتابية .. إنما هي بركة هذا الكتاب .. الذي يشع بنوره علي كل من يحوم حوله ..
وأصابني شغف ... شغف جديد بالحوم حول حماه ..  فهي حمي كريم كما وصفه رب السموات والأرضين .. والمتطفلين أعزاء في ظل الكريم .. والزائرين منعمين في ضيافة الكريم .. والمتحكين والمتمحكين مكرمين في ظل الكريم ..

لذا علمت أن تطفلي علي حمي القرآن .. وحوم حول حماه .. ذاك هو الشغف الذي ينبغي أن أغذيه وأغذيه .. فهو الشغف الأحق بالإتباع ..

شعرت  أثناء الدوران في محيط الكتاب العزيز .. وكأنني لهذا فقط خلقت .. خلقت للطواف بحضرة الكلام القدسي .. خلقت لخدمته .. خلقت للمثول علي عتبات القرآن متحسسا فيض كرم .. وحفنة عطف .. ودفقة سر ..

هناك كان سلام الروح السرمدي .. هناك في محيطه متعة الصمت .. ولذة الصفاء الداخلي ..
هناك في محيطه هارمونيا نغمية صامته ..
ففي محيط القرآن وحده تنطبق ترددات الروح مع ترددات الكون انطباقاً تاماً .. وحينها فقط تسكن سكوناً عجائبياً خاصاً .. لا يمكن لمن ذاقه أن ينساه أو يسلي عنه ..  ولا يمكن للذات الكون بأسره أن تعوضه دفقة منه .. ولا يمكن أن يسد فراغ فقدانه حاجيات الدنيا بأكملها ......

لذا فمنذ الآن حول القرآن سأطوف .. انهي الشوط الواحد في سنة أو اثنان أو خمسة لأبدأ طوافاً جديداً بعدها .. وهكذا يستمر تطواف بعد تطواف إلي أن ينقضي العمر ..


فحقيقة الحقائق أن العمر أقصر كثيراَ من مسافات الأسرار ....................

الاثنين، 9 أغسطس 2010

الأعراف .. ربع قال الملأ .. اللآيات 94- 95

ما كان لغير وجه الله يدفن ................

" وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون "
هو النبي يأتي ليقيم التصور القويم ... ويشيد سبل ادراك مغايرة .. ويصطب سوفت وير عقلي مختلف .. يجعل ادراك الواقع ليس كما كان من قبل .. يجعلك تري ما لا يراه الآخرون ..
تلمح في عمق المآساة .. بصيص الأنوار .. وتستشف الغايات المستترة وراء أقنعة البؤس المؤقت ..
الارتماء أمام العتبة القدسية ... والالتجاء إلي كنف الرحمن .. ورفع رايات الضراعة .. غاية خافتة وراء البلاء ..
تحتاج تربية نبوية لتستطيع التقاطها ..

الغاية .. التضرع .. الضراعة ..
التضرع .. اشتقاق جميل من الضرع .. وهو الثدي .. كطفل حائر لا يقوي علي الطلب .. ولا يتقن السعي .. ولا يعرف فنون الكلام .. ولا يدري من الاشتغاثة سوي نبرة بكاء أما الضرع ..
يرتمي للضرع .. الذي يمثل له الحياة .. فهو الطعام والشراب والسكن .. هكذا الضرع للطفل .. حاجات الكون بأسره ..

وهكذا ارتماء الضريع .. علي جنبات المناجاة ..  لايري خلاصاً في سوي الكنف الرباني .. ولايلمح نجاة في غير المناجاة ..

وهكذا أزيلت تاء .. يتضرعون ..  وادغمت في الضاد ..
وهكذا تثير في النفس صورة الضرع .. كتقريب للحمل المعنوي للضراعة الحقيقية ..
وايحاء تكنيكي صوتي بثقل الضاد وقوتها النغمية عن التاء إلي عمق التضرع .. وشدته .. وطوله ..  أيضاً تحقيقاً لمطلوبه المعنوي ...

سأل أحدهم الله أن يرفع عنه البلاء .. فألهمه الله : "علمك البلاء الالتجاء .. فلا يرفع إلا حين يصير اللجوء لك عادة "
والفارق بين الالتجاء .. واللجوء .. أن الإلتجاء اضطراري يحمله البلاء .. واللجوء اختياري يحمله الارتماء الإرادي في كنف القدرة ..

فالبلاء يعلم الإلتجاء .. والإلتجاء يعلم اللجوء .. 

وكان من دعاء بعض الصالحين "اللهم اجعلنا عبيد احسان ولا تجعلنا عبيد ابتلاء "

والبلاء صور وأنواع .. حسب توافقات نفس الغافل ... وحسب متطلبات الإفاقة ..
فأحياناً تأخذنا الغفلة بعيداً .. ونتناسي حقيقة وجودنا كعبيد .. ونكون بفضل المنة ممن أرادهم الله لنفسه .. فيبعث إلينا برسالات الإفاقة .. تتفاوت درجات شدتها .. علي سلم تدريجي .. 
فمنا من يحتاج إلي مرض وسقم ليلجأ إلي الله .. ومنهم من يزيده المرض سخطاً ويكون عليه فتنة ..
ومنا من يحتاج إلي خلل في راحة البال .. وانسجامية السكون .. والطمأنينة .. فيعرف حينها القدر الحقيقي للدنيا .. فيلجأ ..

فهناك بلاءات الكيان الإنساني الداخلي .. البأساء ..
وهناك بلااءات الخارج المادية والموقفية .. الضراء ..


والغاية النهائية التضرع ..
فابشر يا صاحب البلاءات .. فربما كنت عنده عزيزأً .. فلم تهن عليه ولم يتركك لنفسك والشيطان ..
 وكأنه يرغمك بالبلاء علي العودة ..
وكأنه يحملك إلي الجنة رغماً عنه .. كطفل أحمق يهرب من نظافة الاستحمام ..

ألا تري في البلاء عطفاً ..؟؟

"ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتي عفوا وقالوا قد مس ءاباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون "
لم يزل التشكيل الرباني للتصور ..وتغيير النظرة لدقائق الحياة .. يتواصل .. 
وهنا يضع المولي فارق بين التصورين ..
التصور الإيماني الأبيض .. الذي يري في البلاءات رحمة .. واضطرار إلي الضراعة .. 
ثم يري في السراء ابتلاءاً بالشكر .. وجائزة للصبر .. ونفحة من نفحات التأييد .. 

والتصور الظلامي المتوارث .. الذي لايري في البأساء والسراء إلا قوانين عمياء للزمن .. ونمط عشوائي للحياة .. 
وكما يقولون ..
bad things happen ... and good things happen 
هكذا .. الأمر يحدث .. وقد حدث للأقدمين وسيظل يحدث .. 
كما يقول النبي فيهم "كالحمار لا يدري فيم عقلوه ولا فيم أرسلوه "
لا يعلمون الحكمة في ابتلاءات تمر بهم .. ولا يقرآون الرسائل في المواقف الحياتية .. ويتعامون عن المغزي من التقديرات الربانية ..
هكذا هي الكيانات الخربة .. التي تجردت من التصور الإيماني .. ولم تصطبغ حياتها .. ونظرتها الكونية بصبغة الله والنبوة ..

وهكذا نحن أحياناً بعد رفع البلاء .. نقول "قد ذهب السيئات عني " 
نعود للاسترسال في الغي .. وكأننا كالبهائم لا نسير علي طريق الخير إلا بكرباج البلاء ..

عفوا : لها تفسيران .. العفو من الكثرة كما يقول ابن كثير .. بمعني أنهم حين تكاثروا وانفتحت عليهم السراء .. وابواب الراحة والرفاهية .. تناسوا قديم ضراعاتهم .. وشدة البلاءات .. واغتروا بحلم الله ثانية .. وعادوا يؤولون قديم البلاء وقديم عهودهم بالتقوي .. إلي قانون الحياة .. وطبيعة الدينا المتقلبة ..
هو التلاهي بالكثرة وانفتاح الأبواب ..
والتفسير الثاني : بمعني العفو .. اي النسيان .. وكأن شيئاً لم يحدث .. هو التناسي ..
كما في عفا الله عما سلف ..

وحقاً الأمر لا يتجاوز احدي المعنيين .. هكذا نحن بعد البلاءات بين التناسي .. والتلاهي ...
  
فأخناهم بغتة وهم لا يشعرون ..
وفي نقطة ما علي صفحة الزمان .. تتلاشي أرصدة الخير .. ويستفرغ البشر فرصهم للعودة .. ويصل عداد ابتلاءات الإفاقة إلي نهايته ..
ولا عودة .
فلم يبق إلا الأشد ..
الأخذ بغتة ..

وهكذا هو الأخذ الرباني .. قاصم .. صارم .. ومن طبيعته .. أنه يأتي فجأة ..
في قمة النجاح .. وأوج السطوة .. وعلي عروش السيطرة .. ومن اللاشيء ..
ينزل العذاب ,,
دون شعور بمقدماته .. ودون تنبؤ بنزوله .. ودون ارهاصات لقدومه .. يأتي .. يخرج من اللاشيء .. ليغير كل شيء ..
حيث لا سبيل للعودة ..
ولا تنفع هنا الضراعة ..

يتبع ......

الجمعة، 6 أغسطس 2010

الأعراف .. الربع الأول.. أية 1 -3

"المص . كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به  وذكري للمؤمنين "
الحروف المقطعة في أوائل السور .. قتلت بحثاً .. وخرجت نظرات لتأويلها وتفسيرها .. لا محل لذكرها هنا ..
إنما ما نود الإشارة إليه .. أن كل ما وصل إليه العلم عن النفس البشري لا شيء علي الإطلاق ..
وخصوصيات النفس .. تنكشف في ظواهر وظواهر ليس للعلماء حظاً منها سوي التامل .. والتناسي ..
إن تلكم النفوس عوالم ومجاهيل .. وإمكانات هائلة .. وحواس تفوق السبعة العلمية المشهورة ..
حواس روحية عديدة.. لا سبيل لإدراكها .ز أو قياسها .. ولكنها هي المفسر الوحيد لمستغلقات الظواهر .. وعجائبيات الكون البشري ..
والله خالق تلكم النفوس .. أودعها قوانين وأسرار كما أودع كونه الخارجي .. أسراراً لا تقل اعجازاً واتساعاً عن المجرات والحبك السماوية .. وترددات الذرات والإلكترونات .. وعوالم الكواركات والمجالات والموجات ..
النفوس تحوي ثقوبها السوداء حيث الزمن يساوي صفر .. ومجراتها العملاقة حيث الزمن نسبي لا محدد .. وكويكاباتها المتصادمة حيث الأضطراب .. ومجالاتها الموجية حيث السكون والهارمونيا والتجانس النغمي ..
والله وحده يعلم كيف يخاطب تلك الأوتار الخفية .. وكيف يبعث بترددات نغمية حرفية ملائمة لما يريد تشغيله من سواكنها .. وما يردي اطفاؤه من شواغلها ..
فلا عجب أن نجد التجويد القرآني .. وعلم التلاوة .. بإعجازه النغمي .. ومساحات قراءاته الشاسعه .. التي لا تكتفي بمخاطبة النفس بالسورة .. والمقطوعة الحرفية .ز إنما تضفي إليها نغمة صوتية .. ورنة التجويد المقننة .. لتلعب علي أوتار النفس الخفية .. لتجعلها أكثر ملائمة لوقوع التأثير المعنوي المرجو من المقطوعة اللفظية ..

ألست حيناً تسمع مارشاً عسكرياً موسيقياً يملؤك حماسة .. أو مقطوعة ناي تملؤك حنيناً .. أو مقطوعة كمان أوبيانو تبعث فيك شوق لجلسة حب ..
ما هي إلا نغمات .. ترددات صوتية .. 
وهكذا التجويد .. والقراءات .. نغمات وترددات صوتية .. لها من الإعجاز النغمي أنه بتطبيقها الكامل المتأمل المرهف من حواس الروح .. يضاعف التـأثير اللفظي للقرآن ..

لذا فإن عجزت الأفهام عن التقاط المعني في ألف لام ميم صاد .. فقد حدث تأثير ما .. ربما غير مدرك عقلياً في مكان ما في الداخل .. وتفتحت من النفس مغاليق ما .. وانغلقت منها أبواب ما .. كل ذاك بضمان الصانع ؟
فإن للقرآن تأثيراً يجاوز التأثير اللفظي بكثير .. ألم تري ربك لا يأتي بإحدي تلك الحروف المقطعة حتي يقرن بينها وبين الحديث عن نعمة التنزيل .. وسطوة الكتاب وهيمنته علي النفوس والدساتير ..

"كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكري للمؤمنين"
فضل الأفضال .. ونعمة الأنعام .. أن يتفضل ربنا بانتشالنا من هوة الحيرة .. ويرسم لنا بنفسه خطوط العمل .. ومناهج التصور ..
أن يستخدم مطلق القدرة والجبروت اللغة .. ويحيلها كتاباً وعوالم اتصال بين السماء والأرض ..
أن يربط الأرض بالسماء .. برابطة أرضسماوية عجيبة . لغة الأرض .. وكلام السماء ..

إن بين كتابات الأرض بأسرها .. كتاب وحيد مؤلفه .. لا أرضي .. لا بشري .. لا جني ..
إنما هو مطلق القدرة .. خالق الأرضين والسماوات ..
فبعدما أنزل الله من علياءه كتاباً ميسراً بين ايدينا نقرؤه .. أصبحت القراءة لغيره والاستماع لسواه .. والخوض في ما هو دونه درباً من الصفاقة ..
بل أصبحت أحاديث الناس ... بغير تلكم الكلمات التي رفع الله شأنها بأن جعلها قواماً لكلامه وقوالب لحمل معاني تنزيله ... وأوعية لنقل صبغته .. اصبحت أحاديث القوم الخارجة عن نطاقها درباً من الحماقات ..

أصبح الإلتفات إلي اي مكون تصوري أو عقائدي آخر .. والتلقي من أي وسيلة عداه .. درباً من الطيش والنزق .. والعفن النفسي ..

وأصبحت طرق عرض التصورات والاعتقادات .. وأنماط الإحتكام .. ومعايير القياس ... علي غير ما أورده .. نوعاً من السفسطة واللاجدوي .........

ولكن واهاً للإنسان العصري الذي اصبح يتبرأ من كلام الأعلي .. فيواريه كأهل الكتاب القدامي .. ويكتمه .. بل ويخجل أحياناً من ذكر الحكم الرباني الواضح في قضية مطروحة .. ويحمد الله علي أن أحدهم لم يفتش عنه .. 
واهاًً للحرج المتصاعد نتيجة اختلال المعايير الحقيقية للحكم .. نتيجة المعايير المعلبة .. وأنماط التفكير المقولبة والمستوردة .. والتي أصبحت هي التي يحاكم إليها القرآن .. لا أن تحاكم هي إلي القرآن كما كان مفترضاً ..
أصبح القرآن يستدل عليه .ز وتحشد له الأدلة .. وكأنه هو المتهم .. 

لا أن يستدل به .. وتحشد أدلة موافقته .. لأنه هو الحاكم .. والمعيار .. والمقياس المفترض ..

هذا القرآن الذي جاء ليرفعنا .. ولكنه جاء بإمكانية اخري أن يكون علينا لعنة .. وسبباً في الشقاء إن تركناه وراءنا ظهرياً .. وتركنا العمل به .. والإحتكام إليه ..
إننا أمة لم يرفعها سوي القرآن .. ولن ينفعها سواه .. وحينما تجنبه مكانه الرئيسي كقائد .. ومهيمن علي الحياة كاملة .. وتسعي نحو وسائل أخري للحكم والمواكبة .. لابد لها أن تسقط كل يوما أكثر وأكثر .,.
فذاك القرآن ليس منزلاً ليشارك ... أو لينتقي منه .. أو ليعطي نصف التوجه .. أو يكون "أحد" مصادر التلقي والتشريع ..
إنما جاء مهيمناً .. متفرداً .. محمولاً علي الجملة .. مصدر لا رئيسي .. وإنما أوحد ... للتشريع والتلقي ..
"علي اعتبار أن السنة النبوية إنما هي ترجمة واقعية لمنهج القرآن فهي تشاركه المنزلة لأنها ليست سوي وحياً فعلياً "

القرآن للجميع .. ذاك الشعار الرباني .. 
القرآن إنذار للمخالف .. وذكري للموافق .. وموعظة للغافل .. وشفاء للمريض .. وهدي للحائر .. وبركة للطالب .. وجهاد للعدو ..

مناطه ......................... "الاتباع الكامل الشامل المذعن بلا تأويل ولا تفيهق "

"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون"
الدين تخلية وتحلية .. أمر ونهي .. مطلوبات .. تعقب بمنهيات لصون تلك المطلوبات عن الملوثات ,.,.
فليس المطلوب اتباع القرآن فقط .. إنما الإلتفات الكامل عن كل ماسواه .. والتبرأ من كل ما عداه وما عاداه .. والاسكتفاء والاستغناء به عن كل تصور آخر .. وكل حكم وضعي .. وكل شطحة بشرية .. 


فليست الولاية إلا له .. وللمتكلم الجليل به ..
فليس أكرم من صاحبه .. وليس أحكم من منزله .. وليس أعلم من المتكلم به .
إذن فليس أكرم ولا أحكم ولا أعلم من القرآن .. بكرامة وحكمة وعلم المنزل سبحانه ..

ولكن هيهات الذكري .. هيهات التفكر .ز هيهات المقارنة الحقيقية .. والارتماء العملي بين دفتي القرآن .. قليلاً ما تذكرون ..
القرآن ذكري للذكري .ز وهدي للهدي ..
فهو يذكر بنفسه .. ويهدي بنفسه غلي الطريق المستقيم الذي ليس في النهاية سوي القرآن ذاته.. فهو يهدي بنفسه إلي نفسه ..

والقرآن معجزة الإسلام .. ومعجزة النبي محمد فلنتأمل قليلاً في تلك الحقيقة .. لنقارن بينه وبين غيره من معجزات الأنبياء :
معجزات الأنبياء كانت خوارق كونية تضفي علي شيء ارضي .. فتجعل العصا حية ... وتشق بها البحار .. وتفعل بها الأعاجيب .. والقرآن من ناحية هو تنزيل سماوي كامل .. يصنع بلغة العرب "الأرضيين " ويحيل اللفظ كينونة ساحرة .. معجزة تأثيرية تصنع الأأعاجيب.. فمن الحماقة أن نظن أن القرآن أقل قدرة من عصا موسي أو من شفاءات عيسي .. 
إنما تعطلت قدراته لفساد الحامل .. ولاعوجاج القابل .. أما هو فمعجزة المعجزات .. لا أستغرب أبداً قدراته الشفائية .. والخارقة لقوانين الأرض .. وكرامته للحاملين الأنقياء .. القارين بالمنة علي تشغيل معطلات قدراته ..

ثانياً : أن كل معجزة من معجزات الأنبياء كانت تأتي لتدهش السامعين .. فتدلهم بإعجازها إلي المنهج الذي جاء به النبي .. أي أنها وسيللة خادمة للمنهج .. فعصا موسي يبهر بها السحرة فيؤمنوا بنبوة موسي ,الوهية رب العالمين .ز ثم تسير لهم إلي التوراة ليتبعوها .. 
أما القرآن فهو المعجزة وهو ذات المنهج .. فهو معجزة تدهش السامع .. لتشير إلي المنهج الذي هو ذات المعجزة .. اي يشير بنفسه غلي نفسه .. يهدي بنفسه غلي نفسه كما قلنا ..

ثالثاُ : أن المعجزات كانت خاصة بالأنبياء أنفسهم .. لا تورث .. وتتعطل مع سواهم .. دعماً ربانياً للنبوة ذاتها .. أما القرآن فقد تشارك فيه التابع والمتبوع .. والنبي وأمته .. فهو كما قيل فيه "وإنه لذكر لك ولقومك" .. أخذته الأأمة في حياته .. وورثته بعده .. بكل إمكاناته اللامتنهاية .. لم يبق إلا أن تتبعه حق الأتباع وتعطيه نفسها كاملة لعله يعطيها بعضه .ز ينفتح عليها جزء من اسراره .......

يتبع